English Site

البحث في الموقع

   

    الشريط الإخباري  


مزحةٌ..فكذبة... فألمٌٌ... فبكاء...

ثناء الكردي

  تُبَثُّ في سوريا عدّة إذاعات وسكان دمشق من المداومين على متابعتها عادةً وقد تجد بين البرامج الإذاعية التي تقدمها لك محطات معيَّنة مايلفت نظرك في كم المصداقية الموجود فيها وأكثر ماتنحصر هذه المصداقيَّة في برامج التوعية الاجتماعية التي ترغمك على إدمانها وجني الكثير من الاطِّلاع وبالتَّأكيد الاستفادة من تجارب الآخرين والقدرة على تجاوز أخطائهم.

استضافت إحدى البرامج الإذاعية السورية طبيبة متخصِّصة في الأمور النَّفسية، بدأت الاتِّصالات تنهال على البرنامج والمذيعة تتلقى وبكل رحابة صدر وهدوء مشاكل بعض الأشخاص الذين وصلوا إلى درجة ألا يجدوا من يتحدثون إليهم لاجئين إلى الإذاعة لتكون متنفساً لهم من همومهم.

دار الحديث بمحض الصدفة حول التعارف على الهاتف.. بدت قصصاً عادية سئمناها إذا كانت بين شابٍّ وفتاة لتتحوَّل إلى شئٍ نادر الوقوع عندما تكون بين طالب جامعي ورجل في حدود السِّتين من عمره، بدأ الشاب بالتعريف بنفسه وأنّه طالب متفوق في السَّنة الثانية في كلية الصيدلة له زميلة يحبها في الجامعة......

قال في البداية وبصوتٍ يملؤه الخجل من كلامٍ تالي أنَّه في إحدى الأمسيات شعر ببعض الضَّجر.. رفع سمَّاعة الهاتف وصار يدق على الأرقام بصوة عشوائيَّة.. ويمثل ويلعب مع المتكلمين مُقلداً صوت فتاة، وبعد عدَّة مكالمات ظهر له رجل في السِّتين من عمره، يقول الشاب مذهولاً بتعلق هذا الرجل بصوته: كنت أتكلم بعفوية على أنِّي فتاة من دمشق غير أنَّ الرجل تعلَّق بصوتي بشدة وقال لي أنّه مستعد أن يقدم لي أي شئٍ أريد وأخذ يحدثني عن نفسه وأنّه تاجرٌ من خارج محافظة دمشق عنده خمس شباب وبنات ومن أوَّل مكالمة حدَّثني بأخص خصوصياته مع زوجته وأنَّه غير متفاهم ولا منسجم معها(بعد كل هذه العشرة) وأنَّه لم يحبها يوماً وأضاف الرجل بعد عدة مكالمات أنه أجرى عملية قلب لأنه مريض، شارحاً لها( للشاب) وضعه وأنه لا يرغب في استغلالها هو فقط بحاجة إلى الفضفضة معها.

أكمل الشاب قصته مع المذيعة وصوته بين البكاء وعدمه: لم أكن أتوقع أنَّّ هذه الكذبة قد توقعني في مشكلة كبيرة كالتي أعيشها، تصوَّروا كم تعلق بي وأحبَّني، وأنا ماعدت قادراً على الانسحاب من خوفي عليه من أن يتأذّى ويُصاب بأزمة قلبية كونه أصلاً مريض، مضى على علاقتي معه أكثر من خمسة أشهر، نقل خلالها مكان عمله من المحافظة التي يعيش فيها إلى دمشق من أجلي!! (يقولها باستغراب) وهويُصِرُّ على رؤيتي وأنا أتحججُ بخوفي من عائلتي فأصرَّ على معرفة عنوان بيتي  تصوروا أنّه يبعث لي كل صباح باقة ورد مع عامل محل الزُّهور يرفقها بعبارات عاطفية مليئة بالصدق والإحساس العالي حتى بتُّ أخاف على نفسي من التأثر بها، أغلقت الموبايل مرة لأرتاح قليلاً من كثرة اتصاله، كان خلال عدة ساعات قد رنَّ خمسين مرة ويعود الشاب ليقول أنَّ الرجل يؤكد له أنّه لا يرغب باستغلالها هو فقط مدمن على صوتها.

يقول: أنا حقاً لا أدري ما أفعل لأنِّي أعيش أزمةً حقيقية أخاف لو أنِّي صرَّحت بالحقيقة أن أصيبه بأزمة حقيقية تودي بحياته، وإذا استمرَّ الحال بي هكذا ستتدهور دراستي أكثر بعد أن كنت متفوقاً قبل تلك المكالمة اللعينة، وعلاقتي مع زميلتي تتأثر فأنا لا أتفرغ للتكلم معها وكل اتصالاتي تكون مع الرجل لا سيما وان خطي مشغول دائماً، والمشكلة أني كلما حاولت القول له أني لست فتاة وأدخل إلى الموضوع يسكتني ويقول لا يهمني من تكونين المهم أني أحبك وأرتاح إليك، حتى صرت أشك أنه يعلم حقيقتي وأنه رجل شاذ ..لا أدري أفكار كثيرة تقتحمني..

ختم كلامه: أنا أشعر بتأنيب الضمير هذا من جهة ومن جهة أخرى أخاف على نفسي من العبارات التي يوجهها إلي( فأنا إنسان طبيعي كانت لي زميلة أحبها) فيتولد داخلي مشاعر غير طبيعية تجاه الرجل نتيجة الإدمان على كلماته... دراستي متأزِّمة ... أرجوكم ساعد وني...

 

بدأت الطبيبة النفسية بعرض حلين وقالت له: إما أن تتعرف عليه أنك شخص ثالث وتصبح صديقه لتكشف له تدريجياً أنك والفتاة شخص واحد كيما يكون وقع المشكلة كبيراً عليه، أوتتركه بعد أن توضِّح له كذبتك (وجع ساعة ولا وجع كل ساعة) لأنَّكما تؤذَيان وهذا خطأ، وحسم الأمر من جانبك أمر مفروض.

قصة قد لا تحمل الكثير من الأحداث غير أن فيها إشارات مؤلمة، كم من الرجال من أرباب بيوت محترمة أزواج لسيدات وآباء لشباب وبنات من يحملون مشاعرالمراهقة المـتأخِّرة إذا كانت القصة حقاً بين رجل يعتقد أنه على علاقة مع فتاة، رجل اكتشف بالصدفة وبعد عشرة سنوات طويلة أسفرت عن عائلة كاملة وبعد نهاية المطاف أنه لا يحب زوجته!! ومع بصيص أمل له لعلاقة ولو على الهاتف مع فتاة غريبة يكشف له العلن والمستور من أخص الخصوصيات بينه وبين زوجته ويحبها دون أن يراها، فإذا ما حكمنا عليه بخيانته لزوجته فكم من الأزواج عديمي الإحساس بالمسؤولية يقومون بفعلته، أمَّا إذا اعتبرنا مشاعره شاذة من سياق كلام الشاب تُرى كم من الآباء المحترمين والذين هم قدوة لأبنائهم يعانون من أمراض نفسية خفية قد تؤثر بل حتماً تؤثر على كثير من جوانب التربية وطبيعة العلاقات داخل الأسرة.

كيف لنا أن نحكم عل مثل هذه الأزمة فلو لم أسمع الحوار بنفسي ماكنت صدّقت مدى ألم هذا الشاب وهو يوشك على البكاء كل لحظة... ضميره يؤنِّبه على كذبته... كذبة في ساعة ضجر خالية من المسؤولية ورقابة العقل والضمير كم من العقوبات يمكن أن تجرَّ إلى حياتنا نحن بغنى عنها.. كذبة على أمر بسيط وبمزحة خلَّفت وراءها كل هذه الآثار، فما بالنا نحصد ونجني آثار كذباتٍ كبيرة وخديعاتٍ تحكمنا منذ مئات السنين وحتى الآن ربما لا نشعر بها بل نضرس نتائجها، تشربنا منها وتربينا عليها..اعتدناها.. وكم أخشى أن تستيقظ الحقيقة ذات يوم لتتحول كل الثوابت التي اعتمدناها حقائق في واقعنا إلى أنقاض، إذا كانت ما بنيت كلها أصلاً إلا على كذبة.

 

  

 تعليقك على الموضوع:

 الاسم:

 البريد الإلكتروني:

 التعليق:

   القائمة الرئيسية  

 

   

       الصفحة الرئيسية     

 
 

 من نحن     

 

مقالات ودراسات     

 

تقارير وتحقيقات     

 

 شخصية العدد     

 

 مرصد     

 

أدب     

 
 

فن     

 

 قوانين ووثائق     

 

 معاهدات     

 

 الدساتير العربية     

 

 استشارات     

 

 أخبار من العالم     

 

 أخبار فلسطين     

 
 

 اللاعنف     

 
 

مؤتمر المرأة والتقاليد     

 

 دليل الجمعيات الأهلية     

 

تسجيل العضوية

 

للاشتراك وتلقي نشرتنا الأسبوعية يرجى التسجيل:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © Thara. 2008. جميع الحقوق محفوظة