|
تنظيم النسل في سورية سياسة لم تؤت ثمارها
بعد!!.
يحيى الأوس
تتعدد
التسميات المستخدمة للسياسة التي تهدف للحد من الزيادة السكانية في سورية.
ففي الوقت الذي شاع فيه استخدام كلمة تحديد النسل بين أوساط الناس وفي
أحيان أخرى أقل تنظيم النسل. يفضل الذين يقومون بالمساهمة في تنفيذ هذه
السياسة بِإطلاق اسم تنظيم الأسرة باعتبارها أعم وأشمل ولا تقتصر على تحديد
النسل فقط بل تتجاوزه لتشمل مفهوم الصحة الانجابية عموماً، لكن السبب الأهم
الذي يدفعهم لتبني هذه التسمية هو أنهم يختبئون خلفها لتلافي الوقوع في ما
قد يثير بعض التيارات الدينية التي ترفض فكرة تحديد النسل جملة وتفصيلاً.
أستفهامات كثيرة نطرحها في هذا التحقيق حول جدوى هذه السياسة التي لا يزال
تاريخ الشروع بها في سورية غير متفق عليه حتى الساعة. فما هي أسباب إطلاق
هذه السياسة؟ وما هي النتائج المتحققة اليوم؟ هل يشعر المواطن العادي قبل
صناع القرار بثمراتها وهل هناك تطور ملموس طرأ على بنية الأسرة السورية
قادها نحو تقليص عدد أفرادها؟ أم انها سياسة فاشلة لم تزبد ولم تغن ولا
تزال تلتهم معدلات النمو الاقتصادي المتواضعة؟. ومن جهة أخرى هل يواكب
التشريع القانوني هذه السياسة أم أنه يبقى قاصرا عن ذلك؟ وهل يمكن لأي
تعديل قانوني بهذا الخصوص أن يرى النور أم أنه يكتفى بتجميد القوانين
وتجاهلها؟.
بداية إشكالية؟
يرجع البعض
بداية الاهتمام بهذه المسألة إلى السبعينيات وتحديدا عقب صدور نتائج
التعداد السكاني عام 1970 حيث بلغ معدل النمو السكاني 3,6% مما تمخض عن
تشكيل لجان حكومية وبرلمانية لقضية السكان لاحقاً، لكن هذا لم يمنع
الاستمرار في منح وسام الأسرة للعائلات التي يزيد عدد افراها عن 12 طفلاً
إلا في وقت متأخر من العام 1986، كما لم تتوقف عملية منح الحوافز للأمهات
الأكثر إنجاباً. وهذا ما يشكك بالنيات الحكومية آنذاك للبدء ببرامج تحديد
النسل عملياً. وإذا كانت الحكومات المتلاحقة قد وعت فعلا لهذه السياسة، فما
الذي أعاق عملها ومنعها من تحقيق أي تطور على هذا الصعيد؟؟. يمكن القول في
هذا الشأن أن الإرادة الجادة لهذه السياسة لم تكن متوفرة على أرض الواقع
وقتها، و ما كان يحرك مثل هذه التوجهات هو أن دعوات تحديد النسل كانت بدأت
تكتسح عدد من الدول الاسلامية بحجة مواجهة التحديات الاقتصادية
والاجتماعية، وكان النموذج التونسي الذي بدأ في العام 1962 مع عهد بورقيبة
جديراً بالاتباع من قبل أصحاب الفكر التقدمي في دول المنطقة، لكن هذا لم
يترجم على أرض الواقع فبقيت القضية السكانية على حالها، حتى أعيد تحريك
المياه الراكدة في سورية من خلال الخطط الخمسية المتلاحقة ومن ثم المرسوم
رقم" " للعام 2002 والذي اشار صراحة إلى عدد الأولاد الذين تمنح الدولة
الأم إجازة أمومة عنهم، ومن ثم إحالة ملف السكان للهيئة السورية المستحدثة
في العام نفسه.
أين أصبحت هذه
السياسة اليوم؟
من المؤكد أن
هذه السياسات لم تعد أسيرة الحكومة وحدها بل لقد ولجت المضمار العديد من
المؤسسات والجمعيات الأهلية التي فرضت نفسها كشريك لا يمكن تجاهل دوره،
فكانت الهيئة السورية لشؤون الأسرة وكانت جمعية تنظيم الأسرة فضلاً عن
الدور الرئيس الذي يقع على عاتق وزارة الصحة والاتحاد النسائي. فكيف تتعاون
هذه الجهات المختلفة على أداء مهمتها؟ وهل هي راضية عما تم انجازه في هذا
الشأن؟
يجمع أعضاء هذه
الجهات على تسمية تنظيم وليس تحديد ويعتبرون ان هناك فرقا كبيرا بين
التسميتين. يجمعهم الإقرار بعدم الرضا الكامل عن النتائج لكنهم يجتمعون على
مقولة أن هناك أشياء طرأت على واقع النمو السكاني وهذا ما تثبته الأرقام
وليس التكهنات.
السيد أنس حبيب
مسؤول المشاريع في جمعية تنظيم الأسرة يقول: هناك لجنة وطنية للسكان وليس
لجنة لتحديد النسل، ونحن في الجمعية نقوم بما يتناسب وقيمنا الدينية
والاجتماعية. هناك 19 عيادة تتبع الجمعية وتتوزع على المحافظات وهي تقوم
بتنفيذ سياسة الجمعية ويتم فيها توزيع وسائل تنظيم الأسرة على اختلافها "
حبوب منع الحمل، اللولب، الواقي الذكري...الخ" كذلك لدينا عربة متنقلة تجول
على عشرين قرية في ريف دمشق، وهي عيادة متنقلة تقدم خدماتها. كما نقوم
بالتدخل ضمن معاهد الأحداث، حيث نتوجه للفتيات في هذه المعاهد بهدف
التوعية.
أما د. خالد
برادعي مدير دائرة الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة فيقول: لدينا تحت
اسم الصحة الإنجابية عدة برامج منها تنظيم الأسرة، ورعاية الحامل، والكشف
المبكر عن سرطان عنق الرحم والرعاية التوليدية الإسعافية الخ. نحن لا ندعو
إلى الحد من النسل أو تقليل عدد السكان، بل رسالتنا هي أن يقوم الأبوين
بترك فاصل بين الولد والآخر ثلاث سنوات مثلاً، وذلك كي يتمكنا من تأمين
حياة لائقة للطفل. الوزارة تقوم وعبر مختلف مراكزها الصحية بتوزيع وسائل
تنظيم الأسرة وما حدث هذه السنة هو أننا بدأنا ندفع ثمن هذه الوسائل التي
يتم توزيعها بالمجان على المواطنين، وقد كانت سابقاً تأتينا ضمن خطط تعاون
مع صندوق الأمم المتحدة. في حين تقول الدكتورة عائشة جبر من الدائرة عينها
إن خدمات الصحة الإنجابية لا تقدم فقط من قبل القطاع الحكومي فهو يساهم
بنسبة 40 % في مجال الصحة الإنجابية، والقطاع الخاص بنسبة 60 % وهذه نسبة
كبيرة. تضيف: المشكلة التي تواجهنا في عملنا لها خلفيات واجتماعية ودينية
وثقافية وهي ليست عامة بل هي حسب المحافظات، فهناك محافظات لا نواجه فيها
مشاكل كدمشق واللاذقية وطرطوس والسويداء، وهناك محافظات نواجه فيها مشاكل
كبيرة كريف حلب وريف إدلب حيث أنه لا يوجد وعي حول موضوع تنظيم الأسرة.
أما الدكتورة
كوكب الداية مديرة المكتب الصحي في الاتحاد النسائي فتعتقد أن الأفكار
المغلوطة التي تحملها النساء عن وسائل تنظيم الأسرة تلعب دورا في منعهم من
التعامل معها، إذ تنتشر الكثير من الأقاويل عن احتمال أن تسبب هذه الوسائل
العقم أو تؤدي للإصابة بأمراض خطيرة. لذلك لا بد من العمل على تبديد مخاوف
النساء وتطمينهم.
الموقف الديني
من تحديد النسل
لا يختلف اثنين
على موقف الدين الإسلامي الرافض لفكرة تحديد النسل، وكذلك حال الدين
المسيحي كما جاء في الإصحاح الأوّل من سفر التكوين: «وباركهم الله وقال لهم
اثمروا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها ...»، وفي مبادئ البابا بيوس الحادي
عشر حول «الزواج الطاهر»، أي الزواج الذي لا بدّ أن يثمر الولادات دون
انقطاع أو تنظيم «دنيوي». ويكثر الحديث عن الإشارات التي تؤكد على رفض هذه
الفكرة إسلامياً، لكن آخرون يفضلون التحدث عن إشارات معاكسة تشير
إلىالمواضع التي تشير إلى الدعوة لتنظيم النسل في الإسلام و أبرزها كما
يقول السيد أنس حبيب ثلاث آيات تدعو إلى تنظيم النسل، وتدل على الإرضاع
حولين كاملين، كما أنه هناك خمسة عشر حديثا نبويا تؤكد أن الصحابة كانوا
يعزلون وسألوا الرسول(ص) وقالوا كنا نعزل، والقرآن ينزل ولم ينهنا رسول
الله، وقد ُسئل الرسول من قبل أكثر من صحابي ولم يمنع العزل. ويضيف السيد
حبيب: هناك العديد من النشاطات التي تم تنظيمها من أجل حشد موقف ديني من
رجال دين متنورين لصالح هذه الغاية نظرا لما لهم من أهمية في التأثير برأي
الناس، وهو ما تؤكده د. كوكب الداية التي قالت أن جزءا كبيرا من جهودهم
يتوجه لإقناع رجال الدين بدعمهم في مختلف المناطق وخصوصاً في الأرياف
الشمالية.
بالأرقام...
تشير التقارير
الصادرة عن الهيئة السورية لشؤون الأسرة باعتبارها تتولى ملف السكان حاليا
إلى أن معدلات النمو السكاني وإنجاب الأطفال بدأت تشهد تراجعا في سورية،
وهي حالياً 2,45
%
وذلك
بعد نمو كبير لم يترافق بتحسن مواز في الأداء الاقتصادي. وفي دراسة حول
مواقف ومعتقدات السيدات تجاه قضايا تنظيم
الاسرة
أكدت الدراسة أن نسبة الاستخدام الحالي لوسائل تنظيم الاسرة في سورية هي
73% وهذه النسبة تفوق النسبة
المطلوب
تحقيقها حتى سنة 2015 الموعد المعتمد لتحقيق أهداف التنمية الألفية وهي 60%
. وقد
أجريت هذه الدراسة على 10000 سيدة متزوجة من الريف والحضر وبسن الإنجاب.
د. عائشة جبر
من وزارة الصحة وهي إحدى المشاركات بالبحث المذكور تشكك بالرقم 73%وتعتقد
أن الرقم الذي تم استخلاصه من نتائج المسح العنقودي الثالث متعدد المؤشرات
أكثر دقة وهو 58,3.
تقرير البرنامج
الإنمائي للأمم المتحدة عن الفقر في
سورية
أيضاً
أورد رقما مختلفا فالنساء اللواتي
يمارسن
تنظيم الأسرة في سورية لا يتعدين (46%) من النساء كما أن 25%
لا
يعرفن أية وسيلة من
وسائل تنظيم الأسرة في إشارة لقصور المناهج والإعلام عن التوعية بهذه
الأمور.
الدراسة
الصادرة عن الهيئة السورية نفسها كشفت أرقاما ومؤشرات هامة فـ 43% من
السيدات
يرغبن بإنجاب مزيد من الأطفال، أما متوسط عدد الأولاد الذي يرغبنه
فهو
4.89 طفل، و أيضا فإن 17.5% من السيدات اللواتي وضعن حديثا كن غير راغبات
بالحمل،
و9.2% من
السيدات الحوامل منزعجات من
الحمل
الحالي.
أما بالنسبة
لمعارف
السيدات فقد أعربت 22.1%عن أنهن سمعن معتقدات خاطئة في المجتمع عن
وسائل
تنظيم
الأسرة،
كما أعربت 24.8% منهن عن أنهن سمعن شائعات خاطئة عن
وسائل
تنظيم
الأسرة.
الوضع القانوني
تمارس كل هذه
الجهات عملها في ظل قانون يعاقب أصولا وعبر عدد من المواد ( 523 ـ 530) كل
من
يقوم بالدعاية
أو البيع أو الاقتناء أو التسهيل لاستعمال وسائل تنظيم الأسرة، وكذلك الحال
مع القانون
رقم 23 لعام
1998 الذي يقرن استخدام وسائل تنظيم الأسرة بالتعرض للعقوبات
القانونية وقد تم في العام 2002 إدانة 22 امرأة عام بجرم منع الحمل.
وفي نص المادة (523
) أنه من أقدم
بإحدى
الوسائل
المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 208 على وصف أو
إذاعة
الأساليب الآيلة لمنع الحبل أو عرض أن يذيعها بقصد الدعارة لمنع الحبل عوقب
بالحبس
من شهر إلى سنة وبالغرامة مائة ليرة.
المادة(524)
يعاقب
بالعقوبة
نفسها من باع
أو عرض للبيع أو اقتنى بقصد البيع أية مادة من المواد المعدة لمنع
الحمل
أو سهل استعمالها بأية طريقة كانت.
وهذا يعني
نظريا أن تطبيق القانون سيؤدي إلى معاقبة وزارة الصحة التي تشرف عمليا على
توزيع وسائل تنظيم الأسرة وكذلك الهيئة السورية والاتحاد النسائي، لكن هذه
القوانين مجمدة حتى أن د. خالد برادعي لم يسمع بوجود مثل هذه القوانين من
قبل. في حين يقول السيد أنس حبيب: إن هذه المواد لم تشكل لنا عائقا كونها
تقريبا مجمدة، أو معطلة، لكن وعلى الرغم من هذا فقد طالبت العديد من
المؤسسات بإلغاء هذه المواد لكن الحكومة لم تستجيب ولا تزال هذه القوانين
على حالها حتى اليوم.
نجاح أم تطور
قسري؟
لا تزال نسبة
النمو السكاني في سورية واحدة من أعلى النسب العالمية لكنها انخفضت من
3,30
في العام 1993 إلى 2,45
في العام 2004.
فهل يمكن اعتبار هذا الرقم هو نجاح للسياسات الوطنية بهذا الشأن أم أنه
نتيجة طبيعية للظروف الاقتصادية الخانقة التي تكبل المواطن السوري وتجعله
يتجه مرغما على تحديد النسل؟ أم إنه الأمرين معاً؟
السياسة
السكانية الحالية حديثة الشأن من حيث الخبرات المستخدمة فيها لكنها الطريق
الوحيد من أجل السيطرة على الانفجار السكاني المتواصل، وسواء أكان التقدم
الخجول الذي تم تحقيقه هونجاح للسياسة السكانية أم تغيير قسري في ذهنية
الفرد فهو نجاح يجب ترسيخه في كل الأحوال، كي لا نراكم المشكلات التي
تعترضنا اليوم ونجد أنفسنا مرغمين على مواجهتها مجتمعة غداً.
بالتنسيق مع
مجلة الميزان
|