English Site

البحث في الموقع

   

    الشريط الإخباري  

 

صراع داخل أسوار مدارس بغزة
                                                                                     سهيلة محمد حسين

في ظل إصرار شرائح المجتمع، ووقود من قياداته، ان تستمر معاناة الناس، وان تتهتك المفاهيم والقيم، متجاوزة الحدود المحرمة، تصر النخب ان تصبح كل السياسة سيدة الموقف حتى في الحياة التربوية والتنشئة الأسرية والمدرسية، حتى العبادات لها نصيبها في حظيرة الحزبية. ففي ظل تفشي ظاهرة العنف بألوانها وأشكالها المتعددة في المجتمع (العنف اللفظي، العنف الجسدي، العنف السياسي).

واكبت الحالة الفلسطينية تلازم ظاهرة العنف في مقارعة الاحتلال، سنوات طالت وأماطت اللثام عن بواطن اختزان الألم والكبت اليومي للطفل الفلسطيني، فمشاهد إسقاط العنف، والويلات اليومية، وآلام الحصار، والضرب والقتل الإسرائيلي، أسقطت قيمة الصراع وحولتها من الاستسلام للأمر الواقع إلى مقاومة الأمر الواقع بأشكال وأساليب متعددة. فكانت تعبيرات رشق الجيش الإسرائيلي بالحجارة شكلا من أشكال التعبير عن المقاومة، ولكنها تنفيس عن حالة تساوي قيمة الحياة والموت في مواجهة الدبابة والرصاص من جنود الجيش الإسرائيلي.

وما جد من جديد على الحالة الفلسطينية حالة الخلاص من الجيش واكبتها حالة غير مسبوقة من الصراع والاقتتال الداخلي، طل علينا بثقافة وقيم لم يعهدها الشارع الفلسطيني ولا حتى المجتمع برمته، حال التكفير والتخوين، بدأت من حيث تدرجت بشريحة انقلابية إلى ان سادت باستهداف حركة سياسية كاملة ...ومن هنا طل العنف الفكري واقتحم الشوارع والبيوت، فليس كل أطياف المجتمع يحملون اتجاها واحداً، وعليه بدأت صراعات البقاء والولاء لحركة تنظيمية بعينها مقابل محاولة حركة أخرى تحاول إقصائها أو القضاء عليها كما ورد على لسان العديد من منظري تلك الحركات.

معلمون موالون ومعتلون ... وطلاب يكابدون

حين تجاوزت قدسية المؤسسة التعليمية مكانتها ودورها، طلت محن الحزبية بتعصبها، باتجاهاتها غير المعهودة .. أعلن المعلمون انتصار حركتهم السياسية بداية ومروا بالعسكرية نهاية ان يمرروا قريحة أفكارهم.. اتجاهاتهم .. مشاعرهم المختلطة بحيث بدءوا يمررون الأفكار ويربطون الصور التاريخية والدينية بأمثلة للطلاب يسقطونها على مشاعر وأفكار الطلاب بنماذج من حزبيتهم من حركاتهم السياسية، حتى أسئلة الامتحانات ودرجات التحصيل أصبحت ناقوس خطر ترتبط بطريقة إجابة الطالب على السؤال، لا ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد بل تجاوزتها وأصبح المدرس يصنف الطلاب حسب قربه وبعده عنه سياسياً وحزبياً، فكلما اقترب الطالب من اتجاهات المدرس كلما تقدمت درجة تحصيله وكلما افترقا واختلفا في الاتجاهات الحزبية كلما تصدعت العلاقة بينهما وكلما  تحطمت درجة تحصيل الطالب. حالة غير مسبوقة من القيم التربوية.

مدرس التربية الدينية بمدرسة حكومية إعدادية في غزة، لا تتركه حصة مدرسية وهو يربط صور النجاح بحركته السياسية، وانتصار الدين على الكفر، وهلاك الكفار العلمانيين أمام المؤمنين، مدرس له ازدواج في الشخصية، يدرس التربية الدينية، ولكن بموجات حزبية خالصة، كما لو ان التربية الدينية وليدة حركة سياسية . يربط عظام التاريخ بكادر حركته السياسية ."محمد" طالب بمدرسة إعدادية يتقرب المدرس المذكور منه محاولا تقديم التعزيز المعنوي له، يقول إننا بحاجة لأمثالك يا "محمد"، محمد طالب شرس، له انتماء لحركة سياسية مغايرة للحركة التي ينتمي إليها المدرس،يقول الطلب محمد" اخذ يتقرب إلى المدرس وبدأ يقدم لي الإغراءات في سبيل جذبي نحوه، تارة بعريف للفصل، وتارة بالثناء علي أمام الطلاب . وعندما عجز المدرس عن جذبي نحوه، اخذ يبتعد نهائيا ويتجاهلني في كل الأحوال، كانت أخر مرة حين سلمني بطاقة دعوة كي أسلمها لوالدي لحضور مجلس الاباء للمدرسة، حرضت والدي على عدم الحضور، رغم أنني تعذرت عن استلام بطاقة الدعوة وقدمت عدة حجج، ولكن أمام إصرار المدرس استلمتها منه، وحين قدمتها لوالدي أبلغته ان مدرس التربية الدينية – الحمساوي يريد ان يقدمها على سبيل الترغيب والرشوة، هو يريد ان يجذبني لأنني أقود العمل الطلابي الطلائعي في الفصل والمدرسة .. وهو يريد هدم الكتلة الطلابية لنصرة كتلة هو يدعمها.

رفض والدي الحضور إلى المدرسة لحضور اجتماع مجلس الآباء، ولا ان يكون عضوا فيه، رغم انه يحمل مؤهلا علميا متخصصاً في المجال نفسه، لان والدي أدرك مآرب المدرس "ان الدعوة بمثابة كلمة حق يراد بها باطل"، ورفض ان يكون جزءا من المساومة والمقايضة بيني وبين المدرس، وان يحييد العملية التربوية والتعليمية من مناكفات السياسة والحزبية. هذا ما صرح به والدي لي.

المعلم الهجاص ...

يحكى الطالب خالد البالغ من العمر (14 سنة)، ان مدرس الصحة والبيئة، لا يتوانى في قذف حكومة الرئيس ابو مازن " بحكومة العملاء والخونة، وحكومة تسيير الأعمال بالصهيو امريكية، وأصحاب مشروع دايتون ..والتهجم تارة على كوادر وقيادات حركة فتح، وعلى "سميح المدهون" ناعتا إياه بسميح الملعون .هذا المدرس وقد  إلى تلك المدرسة على سبيل الإعارة لتغطية غياب مدرس المادة التي يعلم الطلاب فيها ذاك المدرس . يقول خالد" ان مدرس الصحة والبيئة سفر لقضاء فريضة الحج، وهذا المدرس لا ينتمي لحزب  سياسي، وهو ضعيف في تعليمنا المادة، ندرك ذلك من كثرة أخطائه الإملائية عند الكتابة على السبورة، وكثير لتلكك في المعلومة .. إلا إننا جميعاً في الفصل نحترم هذا المدرس ولا نزعجه على الإطلاق في الفصل ونحترمه. ولكن ...؟

لمجرد ان هذا المدرس الوافد إلينا لم يتوقف عن تهجمه على الآخرين، ويريد ان يملي علينا مواقفه واتجاهاته الحزبية في الفصل، أخذنا نعترض على كلامه، ولما وجدناه مصر على نفس الأسلوب، بدائنا نمارس حملة ضده داخل الفصل، حملة متعمدة من الاستفزازات والتهكم عليه في كل صغيرة وكبيرة واتفقنا فيما بيننا ان ننغص عليه عيشته " . ويؤكد خالد قائلاً: "اتفقنا في الفصل  عندما يحضر المدرس ان نستقبله بأنشودة مملة، سواء كانت الفترة الصبح أو مساء، لمجرد دخوله الفصل نستقبله بهذه السنفونية المملة والقاتلة، صباح الخير يا أستاذ"، بنحييكم بنحييكم الصف الأول برحب فيكم! سألته شو القصد الصف الأول، لا أول ولا ثاني هكذا خالد يجيب، هي أنشودة والسلام علشان نتهكم عليه .. وماذا تستخدمون معه من أساليب قال خالد :"عندما يتكلم نبدأ بالضحك .. ونعلق على طريقته في الكلام، " ليس كل ما يقوله المدرس خطئا بل نحن نتقصد ذلك لاستفزازه، وتقليل أهميته لأنه هو مصر على استفزازنا بكلامه.

ويقول أيضا :"يرد علينا التحية، فنرد عليه التحية كما لو أننا مسافرين في قطار طويل، ونمدد بالعبارات عند الرد "، يدرك المدرس قصدنا ولكن لا يملك اتهامنا بشيء، أما عندما يكتب على السبورة، حتى لو كان خطه حلو وجميل نعلق عليه،"خط الأستاذ مش حلو، شوفوا شوفوا، كتب كلام غلط ..!".فنحن في الفصل عندما نزعج المدرس ليس لان كل ما يقوله خطأ، بل هو أكثر معرفة في المادة التي يدرسنا فيها من المدرس المسافر؛ ولكن نحن مصرين على ازعاجة كإصراره على إزعاجنا بتهجمه واعتماده أسلوب فرض كلامه الحزبي داخل المدرسة علينا.

"يوسف"  طالب في مدرسة إعدادية في غزة  يقول :"عندما يتمادى هذا المدرس الحمساوي في تهجماته، نستفزه في الفصل، فيخرج الطالب منا على السبورة لضربه، انه فرض علينا الاسلاوب ويريد ان يعاقبنا بأسلوب تربوي، هو الذي خلط التعليم داخل الفصل بالسياسة . يشير يوسف انه طلب منه المدرس الخروج إلى السبورة، وطلب منه ان يفتح راحة يديه ليضربه عليها، قال: "قلت له انت مش عارف مين انا، ومين أبويا ؟ الطلاب يكملون حلقة المسلسل مع الطالب، اه يا أستاذ اه يا أستاذ، أبوه كبير في البلد، بلاش يخرب بيتك، أبوه باشتغل في الحومة .. يكمل الطالب التمثيل بعد ان بقاطعهم المدرس بحزم : "طز في أبوك "، أنا اسمي فلان... يقدم المدرس اسمه رباعي ، ورقم هاتفي .... ـ، واسكن ....، يطلب الطالب المزعج من زملاءه في الفصل قائلا :"سجل .. سجل بياناته، تعدوا بشوف شو بدو يصير له "... ويكمل التلميذ المعاقب أنا أبويا اكبر واحد في البلد أبويا كبير البوابين  في غزة" الطلاب يضحكون على المسرحية .. المدرس تنتابه حالة من الارتباك والإزعاج والغضب يرد قائلا ... الله يخرب بيتكوا وبيت اللي جابني عندكم، وقتيش يرجع مدرسكم وارجع وأبطل اشو فكوا.

"مصطفى" طالب في مرحلة ابتدائية في إحدى مدارس وكالة الغوث الدولية في غزة، يقول :"مدرسنا اليوم في الفصل قال: لا تسمعوا لكلام ابو مازن، كلامه مش صح، اسمعوا كلام أبو العبد بس" وهنا قصد المدرس كلام إسماعيل هنية رئيس الوزراء في الحومة المقالة، كما انه أشار ان حكومة حماس هي الحكومة الشرعية فقط. لم يتوغل مدرسهم معهم في الحديث لأنهم طلاب من مستوى بسيط لا يدركون السياسة و لا يريد المدرس تحميلهم أعباء هم لا يدركونها، ليس من باب التخفيف قدر إدراكه ان هؤلاء الطلاب لن يدركوا كل ما سيقدمه لهم.

في ظل هذا التمزق القيمي، وفي ظل هذا الانكسار التربوي والتعليمي توجهت لاستشارة الدكتور "مازن حمدونه" أخصائي وأستاذ علم النفس التربوي أفاد "ان حالة التمزق والتجاذبات السياسة " دخلت حلقة الصراع الشخصي بين الطالب والمدرس، وطغيان حالة الأزمة السياسية هذه لتقتحم مؤسساتنا التربوية والتعليمية، في الأسرة والمدرسة ... نذير خطر شديد ستؤدي إلى تمزق المجتمع، والى هدم العلاقة بين الطالب والمدرس، وبين الإخوة والأقارب في العائلة الواحدة .. كما ان مجتمعنا الفلسطيني بشكل عام لم يألف ولم يشهد حالة التمزق هذه ولا المناكفات بهذا الاتجاه، وتحول الصراع من صراع سياسي بين الشعب الفلسطيني وعدو مشترك لهم إلى صراع داخلي بين شرائح ومؤسسات المجتمع . وشخصوا العداوة فيما بينهم .. اما بشكل خاص حول الأزمة التربوية والتعليمية، إنني اعتقد ان دور المدرسين يحتاجون إلى ندوات ومحاضرات وورشات عمل من قبل وزارة التعليم العالي بحيث يتم من خلالها تحييد العملية التعليمية من الصراع الحزبي السياسي تماما، زان لا يربط المدرس علاقته بالطالب من خلال الاتجاهات السياسية داخل الفصل . فهي نذير خطر شديد يهدد المجتمع والمؤسسة التعليمية . فأهداف التربية والتعليم محددة وواضحة، يجب عدم إقحام الاتجاهات السياسية في العملية التعليمية، خاصة ان طلاب المدارس في هذه المراحل لا يستطيعون تشكيل حالة رأي كاملة وناضجة، كما ان المدرس عليه إلا يسقط رأيه على طلابه بشكل تسلطي وحزبي .. لان الوطن للجميع . وان يسمح المدرس لنفسه ولطلابه بالخروج عن سياق موضوع الشرح كي لا تحدث مثل هذه المآسي داخل فصول المدارس.

 

Sohaila_houssin@hotmail.com

 

تعليقك:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

التعليق:

 

   القائمة الرئيسية  

 

   

       الصفحة الرئيسية     

 
 

 من نحن     

 

مقالات ودراسات     

 

تقارير وتحقيقات     

 

 شخصية العدد     

 

 مرصد     

 

أدب     

 
 

فن     

 

 قوانين ووثائق     

 

 معاهدات     

 

 الدساتير العربية     

 

 استشارات     

 

 أخبار من العالم     

 

 أخبار فلسطين     

 
 

 اللاعنف     

 
 

مؤتمر المرأة والتقاليد     

 

 دليل الجمعيات الأهلية     

 

تسجيل العضوية

 

للاشتراك وتلقي نشرتنا الأسبوعية يرجى التسجيل:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © Thara. 2008. جميع الحقوق محفوظة