English Site

البحث في الموقع

   

    الشريط الإخباري  

 

الصابئة المندائيين المشتتين في دمشق

ماثيو ماكنوت

في حقل خارج دمشق، اجتمع حشد كبير. في المنتصف، وقف ثمانية رجال في حللهم البيضاء ولحاهم الرمادية. وقفوا بأرتال ورتلوا آيات من نص غريب مأخوذ من كتب مخطوطة باليد. أمامهم، تصاعد دخان من الخشب المحترق، أما حولهم، فقد تبعثرت أغصان الزيتون. وكأن المشهد مأخوذ من العهد القديم، الأثواب، التراتيل والصوت الخافت بلغة غير مألوفة. وحول رجال الدين كان المناخ أقل جدية. فالأطفال يركضون خلف بعضهم، والنساء الفاتنات المرتديات نظارات شمسية من ماركة غوتشي يتشاركن المرطبات والأحاديث. وفي مكان آخر، المراهقون يضربون الطبلة ويغنون، والعائلات يتنزهون على بسط ملونة.

ما وصف للتو، هو الاجتماع الأسبوعي للمندائيين، وهي طائفة قديمة من جنوب العراق وإيران، وهم معروفون باسم الصابئة.

 بعد الحرب على العراق، قدم نحو 7000 لاجيء مندائي إلى دمشق.

المندائيين، كأقلية دينية لا تؤمن بالعنف، عانوا بشكل خاص من ازدياد الطائفية والتطرف الديني في العراق. الكثير منهم عذبوا، اغتصبوا، قتلوا أو أجبروا على الارتداد عن دينهم و الترحيل خارج العراق مع ازدياد تدهور الوضع الأمني. يعتقد الآن أن المندائيين خارج العراق هم أكثر عددا منه في موطنهم التاريخي.

 

يحيط بالحقل قناة تمتلئ بالماء ببطء. وبعد ذلك قسم كبير من الحشد، مرتدين حللاََ بيضاء متماثلة، يتم تعميدهم بالماء كجزء من الطقس الأسبوعي. بالطبع ليست هذه بيئتهم الطبيعية. فقناة المياه الصغيرة،  المصنوعة بيد الإنسان، هي بديل عن التدفق الطبيعي لمياه النهر، والذي يعتبر عنصر أساسي في طقس المعمودية لديهم، و الذي تفتقده بألم مدينة دمشق بمناخها الجاف.

الشيخ خلدون والشيخ ماجد هما راهبان مندائيان من مدينة بغداد. الشيخ خلدون بمظهره المبجل ولحيته الإنجيلية التي لا تطابق تعامله السهل وروحه المرحة،  يتحدث عن إيمان عميق وشغف حي. "نحن كمندائيين نؤمن بالله الواحد الأحد، ونعبد الكثير من الأنبياء المشتركين مع المسيحية والإسلام. فسام، ابن نوح، هو الجد الأكبر للمندائيين." ويوحنا المعمدان هو من الشخصيات المهمة للمندائيين. وبينما يعتبر المندائيون أن دينهم قريب من المسيحية إلا أنهم يعتقدون أن المسيحيين قد غيروا من الرسالة الأصلية ليوحنا المعمدان.

 

المندائيون مذكورون ثلاث مرات في القرآن الكريم كأهل الكتاب – الموحدون الذين يجب أن يعاملوا باحترام – وهذه المرتبة ضمنت للمندائيين الحماية في ما مضى. المندائيون يشاركون بالعديد من الأمور الأديان القديمة والمنقرضة كدين العارفين (الغنوسطية)، وذلك من خلال الإزدواجية في رؤية الكون، الإيمان بالعلوم الباطنة وممارسة الطقوس صوفية.

 

قد كان المندائيون محميين في عهد النظام العلماني لصدام حسين، وذلك بالرغم مما عانوه من اضطهاد من قبل المتدينين المتطرفين. الا أنه، وبعد اجتياح العراق، انهارت الأوضاع بسرعة. "نحن جماعة صغيرة، وانتشر معتنقو مذهبنا بين مناطق تحكمها مذاهب أخرى" كما يفسر الشيخ خلدون، "بعد الحرب انقسمت المدن إلى مناطق مذهبية، أما نحن المندائيين، فليس لدينا مكان نلجأ اليه. وبينما كان لجميع المذاهب الأخرى ميليشيات تحميها و تدافع عنها، لم يكن لدينا نحن أحد. نعمل بالتجارة و الحرف ولسنا رجال عنف".

لكل مندائي في دمشق قصصا مروعة ليحكيها، تهديد بالقتل، خطف، اغتصاب، وقتل أقارب. يعتقد الشيخ خلدون أن ما يحصل في العراق ليس ببعيد عن الإبادة العرقية.

 

"لا يعاملنا الجميع بالطريقة السيئة ذاتها، فقد كان لنا جيران مسلمون يحترموننا، ولكن هناك أناس في العراق مصممون على محي ديننا، أما بقتلنا أو إجبارنا على ترك مذهبنا". يتحدث الشيخ عن تجربته مع العنف، مخففا من وطأة الأحداث التي جعلته يقرر ترك وطنه "وضعوا قنبلة عند مدخل بيتي"، وهز كتفيه قائلا:"لم تقع الكثير من الأضرار، انه بيت كبير، إلا أن بعضا من أفراد عائلتي أصيبوا بجروح طفيفة".  كما تم إطلاق النار عليه أثناء قيادته للسيارة في حيه.

"كرجل دين، أنت دائما في وضع مشبوه... حتى أنه تم إيقافي على أيدي القوات الأميركية، لاعتقادهم بتورطي في أعمال العصيان و التمرد".   

 

أكد الشيخ خلدون أن عقيدة المندائيين تواجه حاليا تهديدا قويا بالزوال: "بالطبع عقيدتنا في تهديد قوي، فالمندائيون اليوم متجزئون حول العالم، في هولندا و امريكا الشمالية و خصوصا في أستراليا و السويد.

هم أحرار بممارسة عقيدتهم ، لكن في أكثر الأحيان هم لا يستطيعون ممارسة هذه العقيدة بالدقة المطلوبة. لأنه لا يوجد عدد كافي من الكهنة لأداء الشعائر الهامة، في ألمانيا مثلا يوجد عدد كبير من الصابئة (المندائيين)، لكن لا يوجد أي كاهن".

بعض المندائيين توقفوا عن أداء الشعائر بشكل جماعي أو غيّروا دينهم إلى المسيحية، هذا بسبب  شعائر المندائية المعقدة وأن الوحيد القادر على قراءة أو الوصول إلى الكثير من المعلومات المقدسة هو الكاهن، دور الكاهن في قيادة جمهور المندائية هو دور أساسي.

 

لا نستطيع عمل الكثير لإيقاف تناقص أعداد هذه الطائفة، هذا بسبب أن الصابئة عقيدة غير تبشيرية، بالإضافة إلى تحريم دخول غير المندائيين في هذه العقيدة، حتى أولاد المندائيين الذين تزوجوا من غير ملتهم لا يستطيعون الانتماء إلى هذه الملة.

 

طبيعة المندائيين المغلقة والسرية ومبادئهم المبنية على عدم الهداية نجتهم عبر عصور من الوجود الغالب الإسلامي. أما الآن فالمندائيون مبعثرون حول العالم. هذه العوامل تجعل وجودهم في خطر. أليس من الحكمة أن ينفتح الدين ليضمن استمرار المندائية ولتنجية هذا الدين؟ لكن الشيخ خلدون مصرٌ. "حتى لو توفرت الشروط الروحية اللازمة لكي يكون الشخص مندائي، فماذا ستكون عواقب هكذا قرار؟ إذا أمسينا منفتحين وأصبح ديننا تبشيري، فالمتطرفون الذين يهددونا الآن، سيصبحون أكثر تصميما على إبادتنا. الانفتاح لن يضمن نجاتنا – بل سيضمن انقراضنا".

 

أن يهرب شخص ما من وطنه لا يجب أن يؤخذ بغير جدية. لكن الشيخ خلدون والشيخ ماجد أكدا أن اللاجئين المندائيين بشكل عام قد عوملوا بتسامح وتقبل في سورية. "الكثير من جيراننا لم يسمعوا بالمندائيين قبل وصولنا. وهم يعرفون القليل عن مذهبنا، لكنهم يعاملونا بكثير من الاحترام. لا أعرف لماذا. لكنني أشعر أن الناس في جرمانا (أحد ضواحي دمشق حيث يعيش الكثير من اللاجئين المندائيين) محبين مسالمين".

 

وصل الشيخ ماجد إلى سورية في عام 2005، مع أول دفعة من اللاجئين. "كنا في حاجة إلى العثور على مكان فيه مياه جارية لنتمكن من ممارسة طقوسنا" قال شارحا. "بعد عثورنا على المكان، كان يجب تسجيله لدى وزارة الأوقاف وأخذ الموافقة من الأمن. وقد تفاجئنا بالمعاملة الحسنة والتعاون الذي تلقيناه. وقد أمنوا لنا الحماية والأمن. لكن خلال العامين الماضيين، لم نشهد أي مشاكل في مواقعنا".

 

اللاجئون المندائيون في دمشق يشعرون بأنهم عراقيين بشكل كامل. وهم فخورون بجنسيتهم، ويتحدثون باللهجة العراقية الثقيلة كما يتحدث إخوانهم العراقيين الغير مندائيين، ويتركون لغتهم الأرامية للطقوس والإحتفالات الدينية.

 

بعد التعميد، غنى الكثيرون بفخر الأغنية الوطنية لفريق كرة القدم العراقي، "جيب الكاس جيب"، فما زالت ذكرى  النصر في دورة الكأس الأسيوي حية في الأذهان. لكن حالما ينتقل الحديث إلى مستقبل الوطن، تنقلب الوجوه. الكثير منهم لا يرون متى سيكون آمنا لهم أن يعودوا إلى الوطن. "سيمضي وقت كثير قبل أن يصبح العراق آمنا لنا مرة أخرى"، قال الشيخ خلدون، "أما المندائيين الذين نجحوا في الهجرة لأوروبة وأمريكا الشمالية سيترددون بالعودة، حتى وإن تحسن الوضع". وبينما البعض ذو الحظ الجيد قد وجد ملجأ لهم في السويد أو أستراليا، الباقيين ينتظرون بأمل. هنا في سورية، الناس بعيدين عن الأخطار المميتة، لكن الناس في عدم ثبات، ويعيشون من مدخراتهم.

 

   القائمة الرئيسية  

 

   

       الصفحة الرئيسية     

 
 

 من نحن     

 

مقالات ودراسات     

 

تقارير وتحقيقات     

 

 شخصية العدد     

 

 مرصد     

 

أدب     

 
 

فن     

 

 قوانين ووثائق     

 

 معاهدات     

 

 الدساتير العربية     

 

 استشارات     

 

 أخبار من العالم     

 

 أخبار فلسطين     

 
 

 اللاعنف     

 
 

مؤتمر المرأة والتقاليد     

 

 دليل الجمعيات الأهلية     

 

تسجيل العضوية

 

للاشتراك وتلقي نشرتنا الأسبوعية يرجى التسجيل:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © Thara. 2008. جميع الحقوق محفوظة