|
عندما يتحول الآباء إلى جلادين
مسعود عكو
جرت العادة أن تسجن الفروع الأمنية المعتقلين، وأن يعذب الجلادون
المسجونين، وأن تغيّب السجون المعارضين، لكن أن يتحول الآباء إلى جلادين!!!
هذا كان العار بعينه، الوحشية بذاتها، كيف يتحول أب إلى جلاد؟ ويقيد فلذة
كبده بالسلاسل، ويسجن زينة الحياة الدنيا في غياهب أماكن مظلمة، فراشهم
الألم، طعامهم العلقم، وأحلامهم تغتال في حلكة زنزانة صنعها رب أسرتهم،
هكذا حنان آباء وأحلام أطفال.
وأد العرب في الجاهلية الأنثى، فكان من يأتيه مولود أنثى، ظل وجه مسوداً
وهو كظيم، خجلاً من نسله، وما أنجبت امرأته، فكانت رمال الصحراء قبراً
آثماً لآلاف المواليد الإناث حتى أنزل الله جل وعلا {وَإِذَا
الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ – التكوير 8-9} فتراجع
الجاهلون عن أحكامهم بوأد إناثهم.
لكن الظاهر أن الوأد بدأ يعيد أمجاده في أيامنا هذه، ولكن بطرق أخرى، من
حيث المبدأ النتيجة لا تختلف عن الوأد سابقاً، بالرغم من ابتكار الأهالي
طرق أخرى لهذا الوأد، فاخترع الآباء وسائل أخرى للتخلص من بناتهم، فإما
يلجؤون إلى وضعهن في غرف أشبه بمنفردات، أو سجنهن في غرف بعيدة عن الدار،
هي أشبه بكهوف، تذكرنا بأماكن البشرية الأولى، لا تختلف كثيراً عن زريبة
للحيوانات، إلا أن الماكثات فيها إناث وليس دواب.
أولئك الآباء، انتهكوا كل الحرمات، اخترقوا كل القوانين الإلهية
والإنسانية، أين هم من حديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام "اتقوا الله
في الضعيفين، المرأة واليتيم"؟؟؟ فلم تحرك الأبوة أية مشاعر فيهم، ولم
تتحرك عاطفة والد تجاه مولوده، فكان حنان الأب، ظلماً قاسياً، ورحمته
تغطرساً، وحبه حقداً بغيضاً.
رصدت الصحافة السورية في الفترة الماضية، حالات متعددة لآباء سجنوا بناتهم،
وقيدوهن بسلاسل، وكأنهن سجينات في زنازين مظلمة، لم تدخل الشفقة والحنين
قلوب أولئك الآباء، فكانت بناتهم عرضة للألم والآهات على مدار سنين خلت وهن
موصدات اليدين، فاهترأت أياديهن الناعمات، وضاعت أحلامهن في غياهب ظلمات.
في منطقة الشيخ علي التابعة لمدينة السلمية محافظة حماه اكتشفت الأجهزة
المختصة طفلة سجنها والدها في غرفة لا تتجاوز المتر المربع لخمسة سنوات،
حارسها كلب مربوط على باب جحرها، فصارت تقلد الكلب في النباح والمأكل
والمشرب.
الأب الذي كان راعياً في المنطقة، طلق زوجته الأولى وكان عمر ابنته أربعة
أشهر فقط، وما لبث أن تزوج غيرها، ولما وصل عمر ابنته إلى الرابعة والنصف
قام بحبسها في غرفة خلفية للمنزل مساحتها متر مربع، مغلقاً عليها الباب
تاركا إياها بحراسة كلب، وتركها طوال خمس سنوات. علماً أن لديه أولاد من
زوجته الثانية.
ضمور في عضلات الجسم، وتأخر في النمو، وفقدان القدرة على تحريك قوامها، هي
نتيجة هذا السجن الوحشي. بالإضافة إلى تشوه وميلان في يدها اليمنى، وفقدت
القدرة على تحريك رجليها، إضافة إلى فقدانها القدرة على النطق باستثناء
كلمة "بابا" بصعوبة بالغة، وتدهورت حالتها لدرجة التوحش، وباتت حركتها
وتصرفها أقرب إلى تصرف الكلب، لجهة الحركة والعواء والأكل.
الوالد الذي ظل يكرر لوالدتها أن الطفلة ماتت، قال بأن زوجته الثانية هي من
دفعته إلى سجن ابنته، وذلك بعد رفضها رعايتها، إلا أن خال الفتاة شك بالأمر
وقام بالشكوى لدى الفروع المختصة، الذين قاموا بدورهم في مداهمة المنزل
والعثور على الفتاة في حالتها المزرية.
أما هالة فهي فتاة في السابعة عشر من عمرها، من قرية عنجارة التابعة
لمحافظة حلب، ولدت وعاشت يتيمة الأم، سجنها والدها في كهف كئيب مظلم، مارس
كل أنواع التعذيب بحقها، أهان إنسانيتها، وانتهك طفولتها، وظلت هكذا مكبلة
إلى جدار المغارة،
يضربها والدها فتستيقظ على عصاه، وتنام فاقدة وعيها، فتقرح جلدها ولم تلتئم
جراحها فسقطت أصابع أقدامها. عاشت مع أختيها في
ذلك البيت كالعبيد، يخدمون زوجة أبيهم التي أرضت
زوجها بتسع أطفال مدللين، أذاقتها زوجة أبيها الأمرين، ولم يجد العطف أي
مكان في قلبها فكانت هالة أشبه بحيوان بل أحياناً يكون الحيوان أفضل منها،
فينال اهتماماً أكثر منها، تهان وتضرب وتربط بسلاسل فما كان لها سوى الدموع
مؤنساً، والصبر أملاً لها من أن تخلص من هذه الكارثة التي ابتليت بها.
الشرطة أخيراً علمت بحالتها، فداهمت المنزل، لتجدها غائبة عن
الوعي، مقيدة بسلاسل التحمت بجسدها، أقدامها
متقرحة، وآثار السياط تملأ جسدها، ونقلت إلى المشفى وتبين أنها مصابة
بتموتات وتقرحات
بالجلد، وتموت بأصابع القدمين وفقر بالدم، وألقي القبض على أبيها وأخيها،
واعترفا بضربها وتكبيلها وحبسها لأكثر من شهر بحجة هروبها من المنزل.
هالة التي وصلت بحالة مزرية صعبة، كانت ميتة وهي حية، بحسب الطبيب الذي قام
بفحصها، فهي مصابة بتموتات في الجلد، وتقرحات في كافة
أنحاء جسمها، وفقر بالدم، وتموتات في أصابع أقدامها
تسببت بسقوط أصبعين من القدم
اليسرى.
ممارسات هؤلاء الآباء، لا تمت إلى الإنسانية بصلة، الوحشية والقساوة
عنوانها، والحقد شعارها، ورغم تكرار هكذا مآسي وجرائم بحق الإناث من
العوائل الريفية، التي ما تزال الإناث فيها أشبه بآمات يعملن كالعبيد
ويعاملن كالخدم، الموت لهن إذا اقترفوا أصغر ذنب، والقصاص منهن أسهل من أي
شيء آخر.
بالرغم من تعهد الدول بأن تلتزم بالعمل لمنع العنف ضد
المرأة، فإن العنف ضد النساء والفتيات في العديد من
المجتمعات يواجه من جانب
الحكومات بعدم الاكتراث والصمت واللامبالاة، ويمر
العنف الذي يمارسونه ضد المرأة
دون أن يبلَّغ عنه أو يدقق فيه إلى حد كبير، وتتحمل
جميع الحكومات المسؤولية بمقتضى
القانون الدولي لحقوق الإنسان عن منع أعمال التعذيب
ضد المرأة بجميع أشكالها، سواءً كانت في المنـزل أم في مكان
العمل أم في المجتمع المحلي أو المجتمع الأكبر، أو
في الحجز.
كما يجب اتخاذ جميع التدابير لتمكين المرأة من لعب دورها، ويجب إدانة العنف
ضد المرأة وعدم التذرع بالعادات والتقاليد والأعراف باسم الدين، أو الثقافة
لتجنب قيامها بواجباتها في القضاء على العنف ضد المرأة، كما أن الدولة
ملزمة باتخاذ واستخدام تدابير تشريعية وتربوية واجتماعية وسواها، لمنع
العنف ضد المرأة، وهي مطالبة بمعالجة هذه الظاهرة.
يجب حث الحكومات على تناول مسألة العنف المسلط على النساء بصفة جدية، وذلك
باعتبار العنف ظاهرة اجتماعية تقتضي معالجة صحيحة، و ليس مجرد حالات شاذة
يكفي التدخل لفائدة هؤلاء النساء لحلها، والقيام ببحوث علمية وميدانية حول
هذه الظاهرة، كما أن اعتبار العنف انتهاك لحقوق المرأة الإنسان و جريمة ضد
إنسانية المرأة، واتخاذ سياسات وطنية للقضاء على العنف، وتطوير الأساليب
الوقائية، والتصدي لكل التبريرات السياسية والثقافية والدينية التي تشرع
استعمال العنف ضدهن.
على الحكومة سن قوانين فاعلة، وهي ملزمة بوضع قانون خاص لحماية النساء
المعنفات مهما كان المجال الذي يمارس فيه العنف، لتفادي نقائص القانون الذي
لا يهتم بهذه المسألة إلا في حالات معينة، و لرفع الحصانة التي تحيط بعض
مرتكبي العنف، وذلك بمعاقبة مرتكبي العنف، و حماية الشهود، و تخفيف الأدلة
حتى يسهل تقديمها وتعتمد عند إصدار الأحكام، كما أنها ملزمة بحماية النساء
اللائي هن ضحايا العنف، لكي لا تتحول من وضع الضحية إلى وضع المتهمة وتنتهك
حقوقهن، وتوفير المساعدة المادية والنفسية والقانونية، وتقديم الخدمات
الصحية والعلاج للنساء المعنفات.
ويجب تطبيق مصادقاتها على الاتفاقيات الدولية التي تتعلق بحقوق النساء،
وخاصة الاتفاقية الدولية الخاصة بإلغاء كل مظاهر التمييز المسلط على
النساء، والبروتوكول الاختياري الملحق للاتفاقية، كما يجب عليها تبني تعريف
العنف كما حدده الإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد المرأة، والتعريف
بكل الصكوك والآليات الدولية المتعلقة بهذه الانتهاكات.
الأجهزة الأمنية اعتقلت مرتكبي هذه الجرائم، وقد يحولوا إلى القضاء،
الحكومة واقفة صامتة، عاجزة غائبة، لا مؤسسات اجتماعية تتابع هذه
الانتهاكات، ولا حتى الاتحاد النسائي اتخذ أية إجراءات، ولم تحرك وزارة
الشؤون الاجتماعية والعمل أي ساكن، ولم تقدم أية خطوة لفك الحصار عن تلك
الإناث، حيث لا توجد إلى الأن أية مؤسسة اجتماعية مختصة، ويبقى التعامل مع
هكذا ملفات كجرائم جنائية فقط، دون وجود أية إستراتيجية واضحة من قبل
الوزارة، والتي تعتبر قانونياً وأخلاقياً مسؤولة أمام هذه الانتهاكات، فإلى
متى هذا الصمت واللا مبالاة ؟؟؟
|