|
قراءة في "نساء في المعتقل : لفاديا ناصر
خلدون بركة
نساء في
المعتقل مجموعة قصصية ذات طابع أنثوي بامتياز، فالكاتبة أنثى وأبطال العمل القصصي
هن من أكثر النساء تعرضا للقهر والانكسار والذل في مجتمع ذكوريّ الميل والتفكير
والهوى.. ونتن الأعراف والتقاليد والعقل..
تشخص فاديا
ناصر في مجموعتها صورة لأعتى أنواع المعتقلات الاجتماعية والتقليدية التي بناها
الإنسان لنفسه بعيداً عن السلطة السياسية. فكانت وللأسف أشد تأثيراً وأخطر وقعاً
على النصف الآخر والأسمى من المجتمع وهو المرأة طبعاً.. هذا بعد أن عاينت واختبرت
وبعينها الخاصة معتقلات متعددة في مجتمعنا العربي، كانت ولا تزال من أكثر العقبات
إعاقة للمجتمع. حيث تحول دون انسلاخ المجتمع عن الموروث الاجتماعي، البائد في كثير
من بقاع الأرض، والذي ما زال أبداً يرسخ في عقول الكثير منا كفكر "عثملي" لا
يبيد.
في قصة
امرأة كحولية يعلو صوتها لعنفوان الصرخة .. وهي إحدى أجمل القصص في المجموعة، وفيها
تكون المرأة الكحولية المعنية هي ضحية عجز فيزيولوجي في موضوع حساس وحيوي من حياة
المرأة وهو موضوع العقم والإنجاب.
تقول السيدة
الكحولية في القصة وهي سيدة جميلة وثرية ومثقفة خانتها الطبيعة: صدقوني أنا لم أحب
في حياتي سوى زوجي السابق وما زلت أحبه ..ولكن ماذا أفعل وأنا عاقر ..
إنها لصرخة
مؤلمة حقا في مجتمع يرحم الرجل العاقر ولا يرحم المرأة التي لا تنجب..
ونرى
الكاتبة تسخر وبقسوة وتمرد من حالة النفاق الاجتماعي السائد لدرجة النفاق في
مجتمعاتنا العربية حيث يظهر الرجل بأبهى صوره النفسية والبدنية والسلوكية والثقافية
أمام الناس وهو عكس ذلك تماماً في بيته وأمام زوجته ..
تقول بطلة
قصة "عيد ميلاد زوجة مسؤول": في برهة عجيبة من الزمن اكتشفت أنني عشت مع زوجي ثلاث
سنوات دون أن يعجبه حديثي أو تصرفاتي .. وفي لمحة خاطفة ومضيئة من حياتي اكتشفت أن
تلك الاحتفالية أصبحت مناسبة لأصحو على حقيقة الذي بيننا .."لم يكن حباً".. حتماً
كان نفاقاً..
وتضعنا
كاتبتنا الأنيقة أما م حالة صعبة ونادرة تكون المرأة فيها هذه المرة مجرمة وضحية في
آن معاً وهذا ما نتحسسه في قصة "حلم تركي" وهي قصة لفتاة جميلة وجذابة تبني
معتقلاً من الوهم على شكل حلم وردي لا يلبث أن تطلع عليه شمس الواقع حتى يتبخر..
وعلى هذا
المنوال تنسج الكاتبة بقية قصصها الجميلة على لوحة تغص بالألم من واقع المرأة
العربية القديمة والمعاصرة ..
ولكن هل
ابتدعت فاديا في أسلوبها السردي؟ وهل نجحت في أن تمدنا بصور وشخصيات لم نعتد رؤيتها
من قبل؟ أم أنها اكتفت بتصوير شخصيات بتنا اليوم نعايشها ونحتك معها ولم يعد الحديث
عنها يفعل فعله بنا سوى أنه يبقينا على تواصل معها ولا يحولها إلى مخلوقات تعيش في
الظلام بشكل معزول، علما أن هذا بحد ذاته هو إحدى مهام الأدب عموما والقصة على وجه
التحديد، وهو الشيء الذي لا بد أن نعترف بنجاح فاديا ناصر في تحقيقه. فهي عندما
تخرج علينا ببطلات يرفعن راية الانكسار والهزيمة، تلقي الضوء على الجانب اللأخلاقي
من حياة مجتمعنا ونزعاته الذكورية القاتلة، لكنها في الوقت ذاته تحمل إلينا نفحة من
التمرد ورغبة في كسر القيود التي تكبلهن حتى وإن كان ذلك بجرعة خفيفة لا نكاد نشعر
بها أحياناً.
لقد كان
سردها واضح ومفرداتها بسيطة، تخلو أحياناً من حرفنة الكتاب ومن شخصياتهم المركبة
والمعقدة، فنرى المرأة في أول قصة تتقمص ذاتها في باقي القصص ولكن تحت عناوين
مختلفة، وهذا النوع من القصص اعتبره شخصياً، من التجارب المغلقة التي لا تنتج إلا
ذاتها ولا تفتح وعي القارئ على ابتكار المعاناة من المجتمع، بقدر ما تبقيه على تماس
مباشر مع مشكلات مجتمعه، خاصة وأنها لم تجنح إلى تقديم حلول بل اكتفت بالعرض وحده،
حتى وإن لم تعتبر الكاتبة أن مهمتها هي تقديم الحلول، لكن النوافذ المغلقة دائما
توحي للقارئ باليأس وقد استشعرناه في بعض من زوايا المجموعة.
تتجاهل فادي
الكثير الكثير من المعتقلات ذات الموروث الديني والفقهي العتيق والمغلق، والذي
يحتاج إلى نقد علمي وعصري لكي نضع الحصان أمام عربة الحضارة وليس خلفها. هذا إن كنا
نؤمن بالعقل والمنطق والحوار كوسيلة للنهوض بواقع المرأة العربية من ظلام القرون
الماضية ونسحب القرن السابع إلى عقلية القرن الواحد والعشرين وليس العكس.
وتخجل
كاتبتنا الرصينة في أحايين كثيرة من الولوج في الناحية الأكثر ظلماً في حياة
المرأة العربية وهو موضوع الجنس فهو غائب تماماً في مجموعتها علماً أن هذا الموضوع
يفرز أكثر أنواع المعتقلات المشكلات بشاعة وإهانة وذلاً بالمرأة.
أهو الخوف
من التورط والمساءلة أمام شيوخ الحسبة وعمائم الإفتاء وفتاوى الدم والتكفير...؟ أم
أنها اكتفت بما يلاءم عين الرقيب الديني والدنيوي..؟
وأخيراً لا
بد من شكر فاديا على جهدها الجميل. وشكراً لكل يد تعمل لتبني، وكل فكر يتوهج ليقوض،
وكل امرأة تحدق بخيوط الشمس بعيون لا تنطفئ.
|