|
أترحل معي؟ ..
أحمد
الأسعد
صدى
خطوات لاهثة، كانت تغسل بالرعب صمت البلاد، تنسج في تقاطيعها لوناً من
الغربة الكئيبة، بعنفوان مراهق يتخطى حدود الخير والشر، وحيداً أركض إلاَّ
من أملٍ يتقاسم وجهي.
وجنون خطوات
مسعورة، كأنها موعد موت يقترب مفترساً جنون الأشياء الصغيرة التي كونتَّها
بعيداً عن البؤر والقذارة واللذة في آخر الليل.
أركض أركض..
والصدى شبح
صوفي يغتال رفضي.
واللهاث الساخن
يتبع آثار أقدامي ..
صارخاً بوحشية
فوق أشرطة الأسفلت الرمادية.
حاملاً فوق
كتفّي بقايا بنادق مهزومة أمام أعتاب النهار في بلاد شاسعة وبعيدة وبعيدة
..
ولجت زقاقاً
معتماً تفوح منه رائحة الأحياء المسحوقة والأجساد الخضراء التي داستها
النعال ..
التصقت بالحائط
..
ولبرهة طفقت
أتأمل تجاعيده ..
كان فيه شيء
غامض .. شيء يومض من بقايا إنسان يملك كفاً كبيرة تكور العالم وتسقطه في
قبضتها.
الصدى يقترب. حاملاً الموت وأنا أقاوم اتحفَّر. بخوف، هلعٌ كنمرٍ أحاط به
الأعداء من كل الجوانب سلاحه الأخير غريزة البقاء.
آه...
أين أنت يا حبيبتي لأنام على صدرك أحلم بكل الأشياء الطفولية الناعمة..
أين كلماتك
ولمساتك تعربد في جسدي كشَّفةٍ شبقة لا تشبع. تحميني من لذة آخر الليل، ومن
قشور قوميتي في غضون الزعتر الحالم.
في الطرف الآخر
من العالم وعلى الأرصفة البعيدة وفوق حاملات الطائرات.
رجال أنيقون
يحلمون بجسّد وكأس.
سماؤهم شيء من
البحر والمحيطات.
سماؤهم واطئة
تغطيها أسراب طيور جارحة، وبقايا قوميات كئيبة تتسكع بفتور متخم بالهزيمة.
في عيونهم اتفاق صامت ونشوة جريمة سوداء.
بحذرٍ كانوا
يسيرون في الممر الضيق الصغير، الذي يفصل بين أن تكون الكرامة فتاة، أو أن
تكون امرأة، أو أن تكون عاهرة أو أن تكون طلقة رصاصة.
قالت يا حبيبي
.. دع قلبي منفضة أحزانك .. ودخَّن أيامي بعصبية لأقضم أظافر الليل. تهتف
بي نزقاً أن أرحل معك؟
الى أين؟
كلما استندت
متعبة على صخرة، كانت تخذلني بنذالة ثم تعود مانحة زندي قيداً جديداً
وخناجر مدببّة، رؤوسها كأرحام أطفال يولدون من بكارة الهزيمة.
أيتها الأزقة
العربية النائمة في حضن أجمل غانيات العصر.
المرتعدة كوردة
سوداء ذابلة، بين جدرانك وتجاعيد الطرف الآخر من المحيط حيث الجوع لإذلالنا
هو سيد العصر.
يحتل أحداق الأطفال الحالمين بعرائس السكَّر وبرغيف خبز من زمن رديء ورجال
يمتشقون الجوع ملاعق عسل صاف.
المشهد الثاني:
كانت الصحراء
امرأة تستغيث كرسالة مشّوهة كُتِبَت على عجل بخط أخضر باهت، مودعة بقايا
سعادة قديمة من الزمن الجميل.
يومها، جلسنا والغربة ملكة غير متوجة، تنام بفرح فوق أضلعنا لنحدد ملامح
أيامنا المقبلة، ويدك اليمنى مشدودة إلى الزناد برباط أبيض.
وأحداقنا محدقة
إلى روعة النصر.
النصر على
الأشياء الصافية الشفافة.
قلت لها..
يا مليكتي لا
تحزني إن الله معنا.
سأردّد عليكِ
كل الأغاني والمرائي.
قالت: سأرحل هل
تأتيِ معي.
ـ سأبقى حتى لا
تكون صحرائي حبيبة بلا عيون.
ـ آن للفارس أن
يترجل كي لا تصبح يده مغلولة إلى عنقه.
ـ عندما يتخلى
الفارس عن سيفه، آلاف الأيدي ستمتد لترفع السلاح عالياً.
ـ شعارات
مراهقة.
ـ وليكن، إني
أفضّل حماس الشباب على لا مبالاة الكهول
ـ أريد أن
أحيا.
ـ ستحيا رغم كل
الآلام وكل الاتفاقات الصامتة، وكل المؤتمرات، والمؤامرات.
ـ أرى المجد في
حكايات أمي.
ـ لأنك هش
كصخرة ترابية.
ـ والصحراء
أصبحت طفلة جائعة يلوح في قسماتها قيظ، وصوت مراهق يحاول أن يكون رجلاً.
ـ المجد للدم،
للزيتون والصخور الوفية.
ـ الزيتونة
التي أحببتها نهر يغسل زيف العالم.
ـ الأرض
تتقمصني، أتضخم.
ـ أسقط الشمس
في يدي..
ـ لماذا الرصاص
يتضاءل .. يتضاءل أمام الصيحات الهادرة من كل حدبٍ وصوب.
ـ هذا الدم
العربي قربان العصر.
ـ هذا الدم خبر
العصر.
ـ وكأن الليل
رحم امرأة سيلد أمام أول خيوط الفجر الوردي القادم.
|