|
مـأسـاة جَنين
منال
أمين العسس
كــان المـكان ضيقاً... ومظلماً تملؤه رائحـة العمـق اللا محدود. في ظـروف
فـرضت عليّ كنت أعيـش في ذلك الـشيء الصغير. فصغائر الأشياء كأعظمها واثمن
ما في المحيطات يتكور في صدفة. كم سمعت آهات أمي حين كنت أمارس حقي
بالحركة، وكانت تشكو من لعبي في داخلها الضيق فهي لاتعلم بأن الحرية تولد
من أضيق الأماكن. وغالباً ما كررت أمي هذه الجملة على مسامعي (الولد طالع
لأبوه شقي ) ويرد عليها أبوه ( أبي أنا ) كم أود أن أسرق الوقت من حقيبة
الزمن لاشتري اليوم الغافي في المستقبل ليكون لحظة حاضرة ، لحظة أتوق قيها
لرؤية أول ذكر تلده أنثتي. ذكر، صبي يحمل اسم والدي (سعد الله ) وكانت تقول
له بخيبة أمل تغتصبها ابتسامة كاذبة : وإن لم يكن ذكراً يا زوجي العزيز ..؟
كنت انتظر رد زوجها العزيز، ولكن صوتاً قوياً منع أذني الصغيرتين من سماع
جوابه فظننت أني سأحمل اسم ( نحس الله ) ومنذ ذلك الوقت أصبحت احلم بأن
أكون ذكراً ..
وانتظرت عدة أسابيع لتحدث المعجزة الإلهية وصبرت ريثما يغير الرب في خلقته
.. إلا أن الصبر عجز عن صبري ورفعت الراية البيضاء في قبري. وأعلنت
الاستسلام لأنوثتي فالاستسلام واجب الإناث.
وذات مرة تراءى لي رذاذ من النور يتسلل من أنامل شبه ملائكية كانت تداعب
الجدار الخارجي لموطني وما أجمل الأوطان التي تزورها أطياف الملائكة وكم
تمنيت تقبيل تلك الأنامل إلا أن شيئا ما. كان ملتصقاً بفمي منعني من ذلك.
حركت قدمي لتشكل هضبة لحمية تحت كفيها إشارة مني للإحساس بها. إلا أن اليد
البشرية ضغطت بقوة علي ّفزاحمتني الموضع، فتألمت ذواتي المنثورة على جسدي
وعلمت عندها أن الكبار لا يفهمون لغة الإحساس، وكان الإحساس لغتي الوحيدة
لذا وجب علي ابتكار لغة جديدة مثل تلك التي كنت اسمعها من أناس العالم
الخارجي. لغة مركزها اللسان وليس الأقدام يدعونها كلمات، ومتكلموها لا
يتقنون أكثر من الكلام .. حاولت أن أتكلم. إلا أن ذلك الشيء الملتصق بفمي
منعني من ذلك!
حزنت كثيراً أن أمي لم تصغ إلي وأنا صامتة فغزا الحزن نفسي قبل أن أولد ..
وتألمت كثيراً. رفضت هذا الألم بقوة وما أكثر هذه الأشياء التي نرفضها
وتصبح ركائز أساسية في حياتنا.
هكذا بدأت قصتي مع الألم منذ أن كنت في رحم أمي، فأصبح صديقي وشعرت بلذة
صداقته فلذة الألم تكمن في الألم نفسه. وأشد ما كان يؤلمني ذلك الصوت الذي
تنطلق منه سهام المجتمع بقوله:
( كيف حال الصبي ) وذلك النفس الذي كان يسمم البيئة في أحشاء أمي عندما
هامساً قرب شفتيها.
كم اغتالني شعور أن أبصق على تلك الشفاه التي لا تتكلم أو تنطق إلا بالصبي
.. ولد .. بطل ..ولي العهد إلا أن ذلك الشيء الملتصق بفمي منعني من ذلك.
اقترب موعد نزوحي من موطني الذي كنت أسبح فيه وألعب .. ولا بد لي من أن
أجمع حواسي المبعثرة وألملم جراحات نفسي ثم أرسم أهدافي، وأخزن مؤونة من
الإنسانية حتى وان ذوت لا تنضب أبقى على الأقل إنساناً. لربما أصبحت
الإنسانية يوماً ما كنسبة الماء في الهواء.
احترقت دموع المآقي عشقاً للمكان قبل الرحيل وبدت لي هذا الهجرة القسرية هي
لحظة موتي. فأنا لا أتمتع بحرية القبول أو الرفض، رفض ذلك العالم الذي تعلق
حضارته الأسماء أوسمة على صدر العادات وما أسخف الأسماء. وأنها أسخف
الأشياء.
زاد اللهيب في جسدي الصغير وكأن حمى جنينية قد افترستني، وبدأت أجوب مدى
الظلام، وأصبحت قاعدتي هي ذروة ارتفاعي. وأصبح (الفوق تحت واليمين يسار )
ولابد لي أن أقرر المسار فالموت قرار والحياة قرار وأنا قررت الانتحار.
طرقت رأسي بحدودي فحصلت هزة جسدية أنقاضها أوجاع أمي التي تعالى صراخها
أكثر فأكثر حتى استيقظ ضميري من نومه، إذ أنه اكبر خطر من أن يغفوا الضمير
على أنغام نحيب الاستغاثة في حجرة العقل البشري.
وسقطت في سراديب أوله وهم وآخره هم. قاومت ذلك السقوط بصعود وغالباً ما
تكون الأفعال دعماً للفعل ذاته .. ولم تنجح مقاومتي من السقوط فولدتني أمي.
ارتجفت عظامي الذليلة كان من واجبي أن ابكي، وأقدم قربان الدمع لسيدنا
القدر، وأهدي صراخي نغماً تطرب له أذن الحياة، واركع على مذبح أحزاني
المنتظر .. فقد ولدت أنثى.
أمسكني الطبيب من قدمي وجعل رأسي بحيث يبدو كل ما يحيط بي معكوساً، فكانت
الأشياء أكثر جمالا وجاذبية وهي مقلوبة. ثم ضربني على قدمي الرقيقتين لأقدم
برهان وجودي، إلا أن الوجع ابتلع صوتي عندما اقتربت خطوات والدي وصوته
سبقه: الحمد الله على السلامة يا أم اسعد. أين أنت يا حبيبي سعد .. أخيراً،
أخيراً فرحت قلب والدك.
نظرت إلى وجه أمي الذي بدا كوجهي مع القليل من الفرق، وألبست ملامحها قناعة
مضطربة تهشمت عندما قال لها والدي: هل أخطأ الطبيب في تصوير (الإيكو) ؟ أهي
بنت ؟
وشح صوته مردداً بنت .. بنت يا ويلي ابنة سابعة.
أي أمل زرعت وأي خيبة أجني؟
أحنت المفاجأة المريرة ظهره، وراح مغادرا تاركاً وراءه أقسى الكلمات التي
لم يقلها.
قمطوني بأثواب الذكر المنتظر ووضعوني في سرير أهملوه في زاوية النسيان.
كبرت وتعاظم حزني حتى بدت لي الدنيا نقطة سوداء وكانت تلك الكلمات تقتل
روحي رويداً رويداً.
حاولت كثيراً أن اصرخ .. أن أنطق .. فكان الصمت أقوى .. فالصمت لغة
الوجدان.
بلغت من العمر عمراً، ظل نطقي صامتاً وكلماتي لا صوت لها. ولم يعرف احد قط
حقيقة أمري، علماً بأن الصمت يسدل النقاب عن وجه الحقيقة وبه تذاع الحكم.
بعد ما أكل الصدأ أمنياتي ..
أقف الآن على أطلال حوّاء ..
لم يكن ذنبها أنها ولدت ..
في زمن آدم داست ذكورته أنوثة موقفي.
من مجموعة وجوه منسية
اعترافات امرأة فاشلة
منال أمين العسس
لا أقصد أن تكون كلماتي هذه مقالة أو رسالة، فأنا لا أتقن فن الكتابة وأنت
تعرفين أني أجيد أن أكبت أكثر من أن أكتب، لكن اليوم طافت أحزاني حتى
أغرقتني فكان لا بد لي من التسلق على أوراق النجاة هذه والتجديف بالقلم
هذا، فقد سئمت حالة المد والجزر التي اقتحمت حياتي. وللمرة الأولى أعرف ما
أريد وأريد ما أعرف. سوف أقر لك بكل شيء واطهر ذاتي بالاعتراف لك علني أمحو
ذلك التساؤل الذي يقطر من عينيك.. عينيك التي كنت أنظر فيهما فأجد الكون
أجمل.
كانت همومي تذوب عندما أراك، لا أشعر بألم تلك الكدمات التي اغتصبت جسدي،
ولا بالأحزان التي أنهكت وجداني. ولحسن الحظ أني أملك مخيلة مجنحة واسعة،
فأنا أراك عندما لا أراك ويتألق وجهك أمام تلك الشموع التي أضيئها في
صلواتي فأنسى من أخاطب وأتوجه كليا إليك.
أتعلمين..؟ لقد علمني حبك الإلحاد..!
أذكر مرة أنك قلت لي بأن روحك تئن عندما تضنى روحي، كنت تعبرين بطريقة
مدهشة عما تشعرين، وبالمهارة نفسها تجيدين التنقيب بداخلي لاستخراج ما
أشعر.
لم يكن يسمح لي الواجب بأن أبوح لك بكل شيء، ذلك الواجب الذي سمح بفناء
شخصيتي واختلال مفاهيمي.. ذلك الواجب الذي يدفعني ليلا لإرضاء زوجي كي
أتحاشى رفساته ولكماته، لأن احتمال بضع دقائق مفروضة أفضل بأي حال من ذلك
البصاق الذي يتصاعد مع رائحته القذرة، ومن نعتي بأوصاف يتبادلها مع رفاقه
المخمورين.
لم أتوقع أن ذلك الاسم المدون في ورقة الإجازة الجامعية يحمل صاحبها عقلا
سكيرا، يأتي برفقة الفجر في جسد يثقل علي حمله. لقد خدعتني تلك اللوحة
المعلقة على الجدار وأصبح الإطار أكثر أهمية من الجوهر، وامتلأ إطاري
وجوهري بالخيبة.
دائما كنت أحاول إخفاء الحزن الذي استوطن كياني، كي لا أرى القلق مستوطناً
أعين أطفالي التي كانت تتوق دوما لرؤية والدهم الغائب الحاضر، واخترع
الأكاذيب لأماكن وأزمنة تواجده، فمرة أقول مسافر ومرة عائد. إلا أن براءة
الأطفال أكثر دهاء من حكمة الكبار فسمعت أحدهم يقول للآخر بصراخ باك: ماما
تكذب..ماما تكذب.. بابا مات.
وكم تمنيت أن تكون هذه هي الحقيقة لأن حياته خلقت عذابا لا يموت في بيتنا،
ولد خوفا يرتعد في معدة أولادي. فقد كان يبتلع القمار كل راتبه من أول
الشهر ثم يغيب أسبوعين أو ثلاثة.
ويلتهم التفكير عقلي من أين لي بثمن الخبز؟ وكيف أستطيع تحويل حلم أطفالي
بتناول قطعة من الكاتو إلى حقيقة؟
لقد أغلقت كل منافذ النجاة التي كنت ألجأ إليها عند ضيقي، وثقب صوت صفع
الأبواب أذني، وأصبحت تتغير مسارات الناس الذين كنت أراهم في طريقي.. إلا
أن مسار حياتي الزوجية لم يتغير.
كنت تعرفين عنه الكثير قبل أن أتزوجه.. وأذكر كيف بللت دموعك وجهي. وأصبحت
تناطحين الهواء غضبا، لقد فاق غضبك حدود الوصف.
مائة مرة بكيت ومائتين ضربت الأرض برجليك، ولا أعرف كم مرة حذرتني من
الزواج منه. يومها أقسمت إن تزوجته سوف تنكرينني. وفي ظل هذا الانصهار
الروحي يعني نكرانك موتي وموتك معاً.
ومع ذلك لم أفاجأ مطلقا عندما أتيت بالفرقة الموسيقية على بيتي الجديد،
لأني معتادة على أفعالك المميزة على الرغم من ندرتها في مجتمعنا..
آنذاك عزفت الفرقة لحنا هادئا وكأنهم حضروا ليلة زفافي الأولى، بينما كنت
ترقصين وتصرخين بجنون كأنك تعرفين بقية عمري.
دهش الجميع بالرقص الشيطاني الذي هز ذلك الجسد لملائكي فقد كنت تجهشين
رقصا.
وحدي فقط كنت أعرف أنك كنت ترقصين على إيقاع داخلك.. أتعرفين؟ عندها تعالت
قدماك وتصالبت يداك بجميع الاتجاهات. كنت تودين رفس الجميع وإن تمكنت تودين
إخفائهم. لقد عبرت بوحشية عما تشعرين. لقد عرفت كل شيء عن حياتي الجديدة
واستطعت تحطيم القناع الذي اختبأت وراءه طويلا فبدت مشاكلي عارية أمامك.
اليوم لن يردعني شيء عن فضح ذاتي أمام ذاتي وربما كنت أقرب من ذاتي إلى
ذاتي. لعلك تطهرين جروحي المتقرحة وأخطرها ذلك الجرح الذي طعن كبريائي ذات
يوم.. يوم عاد زوجي مترنحا كعادته في آخر همسة ينفثها الليل، حين سقطت من
جيبه صورة امرأة لم أستطع تمييز ملامحها ولو حاولت سوف يمحو ملامحي، وعرفت،
عرفت بعد ذلك بأن امرأة تشاركني إياه. فعطرها يستوطن ثيابه كل فجر.. ولا
يكاد يلمسني حتى يتطاير اسمها سهوا مع الروائح التي لم يألفها أنفي يوما.
برأيك هل توجد جريمة أكثر شناعة من أن يتخيل الزوج امرأة أخرى على سرير
الزواج المقدس...
أعرف ما الذي تقولينه الآن .. وأنا لست جبانة يا عزيزتي، لا يمكن تصحيح
خطئي بخطأ أكبر.
إن حرمان أولادي من والدهم هو الخطيئة بعينها ولا يكمن في الانفصال أفضل
الحلول. فأنا أذكر عندما كنت صغيرة ووالدي يسافر لفترات ليست بقصيرة ألبس
ثيابه، وأجر نعليه بقدمي وأنادي بابا.. بابا أنا البابا.
إن هذه التمثيلية كانت ترضي شوقي الطفولي لحين، إلا أن شيئا ما كان يثقل
كاهلي ويرغمني على البكاء حتى النحيب.
وكان يعجز حنان أمي على إطفاء ذلك اللهيب في أعماقي الذي كان ينتهي لحظة
وصوله ويتجدد لحظة مغادرته.
إن فقدان الحنان الأبوي الذي كنت أعانيه لم يمت يوما، وسرق حيزا لا يستهان
به من تفكيري، كان اعتقادي بأن هذا الذي يكسو شعر مروان هو شعر والدي،
وكانت تشع عيناه ببريق يغفو في عيني والدي، ولا تقل ابتسامته سحرا من
ابتسامته، إذا هذا هو الذي حلمت به زوجا وأبا لأطفالي.
لقد أذهلني ذلك التشابه وشل حرية الاختيار لدي، فلا خيار أمام شخص اعتقدت
أنه سيعوضني الحنان المفقود عن أول رجل رأته عيناي، فوقعت في شرك الاشتباه
حتى خنقني.
إذا كيف أكرر مأساتي مع أولادي؟ لا لن أستطع أن احتمل شعورهم بذات الشعور
الذي حرق أحاسيسي الندية يوما.
صديقتي: إن المشكلة الآن لا تكمن في حياتي وإنما في قوتي فقد امتلأت حياتي
بخطايا النساء..لم أستطع ردع الحب الجديد الذي اجتاحني وجذبني من ذلك
الرجل.هو لا ينطق بغير اسمي عندما أكون معه.. ولا يقطع جسدي إلى أشلاء
عندما يضمني.. أما رائحته فلا يمكن لأي عطار مهما كانت براعته أن يصنع عطرا
مشابها لرائحة جسده.. هو صديق زوجي ويحبني بطريقة مختلفة.
لقد ابتدأ عمري عندما عرفته، وأصبحت طفلة تفوق بقية الأطفال نضجا ومعرفة..
ومهما أخطأت فلن تكون الطريقة التي سأموت فيها أكثر إيلاما من حياتي التي
أعيشها، وباعتقادي إن الخطيئة التي لا تغتفر هي عندما يقيد المرء أحاسيسه
ومشاعره في وقت يتاح له أن يعيش طائرا في دنيا الحب.
رفيقة دربي: إني أرى دموعك الآن قد بللت كلماتي وأعرف مدى سعادتك التي
أحزنتها يوما لأجلي. فإن صوتك المدوي دوما: دع قلبك يتكلم عقلك يتأقلم قد
لقي صداه أخيرا..!
وكيف لا أنهل منك وأنت تملكين من ميراث الحكمة ما يتوزع على ألف امرأة
مجتمعة. لذلك لم أطلب من أحد تحليلا لصحة أفعالي، لأنه غالبا ما يكون الحكم
من قبل الغير ناقصا.
أشعر الآن بأني أتكلم مع مرآتي وإن أطلت النظر سأصاب بمس من الجنون، وأصبح
في الطرف الآخر منك.
لذا اسمعيني جيدا..!
إن حياتي اليوم أصبحت على حافة بركان لا أعرف متى يثور.
أنا لم أتمم بعد استحقاقات الأمومة المتوجبة علي. امسكي ورقة وقلما ودوني
حالا ما أكتبه وحرفيا..
وتفاجأ الصديقة بلوحة دموية بنهاية الرسالة لم تتمكن من تفسيرها إلا عندما
قلبت مغلف الرسالة وقرأت عبارة خطت بيد زوج رفيقتها الذي قرأت خطه في
الكثير من رسائله لها:
(هي تنتظرك في المستشفى لتقول لك وصيتها التي حالت ضرباتي لها دون
كتابتها).
|