|
مذكرات أميرة عربية..
نص
نسوي يرسم التحولات الجذرية لحياة امرأة عربية قبل أكثر من قرن
ريما
السبع
واحد من
أقدم النصوص النسائية التي ظهرت للوجود نهاية القرن التاسع عشر وتحديدا في العام
1886 في ألمانيا. يحكي النص مذكرات أميرة عربية هي الأميرة سالمة بنت سعيد شقيقة
سلطان زنجبار ماجد بن سعيد، سلطان عمان وزنجبار. تنحاز الأميرة إلى أخيها برغش في
حركة تمردية على شقيقهما السلطان ماجد، لكن الحركة تفشل وتجد نفسها في عزلة. ثم
تتعرف على تاجر ألماني يدعى (هاينرش روتي) فتذهب معه إلى ألمانيا، ليتزوجا وينجبا
بنتين وولدا. إلا أن الأيام تحمل لها ما لم يكن بالحسبان عندما يموت الزوج. إذ تبدأ
بموته حياة الأميرة بالاختلاف. فالأميرة التي استبدلت اسمها العربي باسم جديد هو
البرنسيس "اميلي روث" استبدلت معه أيضاً حياة الحريم والحجاب في الشرق بحياة
الاختلاط والحرية في أوروبا لكنها تضيق ذرعا بهذه الحياة فتحن إلى وطنها الأول،
ولكن أبواب الوطن تبقى موصدة في وجهها فتبدأ بكتابة أحداث حياتها باللغة الألمانية
وتستعيد ذكريات بلادها وأهلها.
لم تعتقد
ألأميرة سالمة أنها ستعيش لتروي قصتها لأولادها فبادرت لكتابة هذه المذكرات لهذا
الغرض، لكن أصدقائها أقنعوها بنشر هذه المذكرات، فكانت واحدة من
أكثر التجارب النسائية العربية المدونة أهمية في مواجهة الغرب الأوروبي، كونها تأتي
على لسان امرأة عربية مسلمة خبرت الغرب تماما وشهدت تحولات جذرية عندما عاشت تجارب
متنوعة عبر حياة استمرت 80 عاما.
في مذكراتها تقول الأميرة سالمة (أميلي روتي) أنها لم تنجح في العودة إلى زنجبار
للحصول على ميراثها والاعتراف بها، فظل هاجسها الكبير هو العودة الروحية إلى الوطن
و استحضار تجارب الطفولة من خلال رسم صورة لعالم الجنوب المغاير تماماً لعالم
الشمال. لكنها في النهاية تقرر العيش لدى أسرة زوج أبنتها في مدينة يينا "jena"
حتى وفاتها ودفنها في هامبورغ.
تتحدث
الأميرة عن طفولتها بإسهاب، وعلى الرغم من الوقت الذي مر عليها في الغرب يفوق
الفترة التي أمضتها في زنجبار إلا أن حضور الغرب الأوروبي أو عالم الشمال كما تسميه
المذكرات، لا يكاد يذكر مقارنة بحضور عالم الجنوب. فقد ظلت المذكرات، في خضم
المواجهة مع الآخر، منشغلة بالوطن، تبعث فيه الحياة، وتستحضر تفصيلاته، وتعمد إلى
إسدال الستار على تفصيلات الحياة في الشمال.
إن
المذكرات تشكل توثيقا للزمان والمكان والفعل الحضاري لمسيرة حياة السيدة سالمة التي
تسعى جاهدة لتعلم القراءة والكتابة، من أجل التعرف إلى العالم من حولها، وتشكيل
وعي تجاه أحداث الواقع، في إشارة واضحة للدلالة الحضارية والمعرفية للمذكرات، دون
أن يلغي الخصوصية الحضارية للكاتبة. فهي لا تتورع عن لعب دور الداعية لتبيان الصورة
الجادة والفعلية للمرأة العربية منتقدة الفهم الغربي الخاطئ لمسائل فقهية كالزواج
والطلاق والتعدد. دون أن تنجرف في مغبة الانبهار بالغرب بل فإن هذه المذكرات تشير
الى المظاهر السلبية في حياة الغربيين وتنتقدها. ولكن أهم ما في هذه المواجهة يتمثل
في محاولة المذكرات السخرية من الصورة النمطية للجنوب التي تشكلت في الذهن الغربي،
وصارت غير قابلة للتغير.
إن ظهور
نص كهذا النص في حقبة زمنية هامة من تاريخ الغرب والشرق معا لهو تعبير واضح عن نزعة
فكرية نسوية جامحة لامرأة ذكية وطموحة لم تكتف بدور
المرأة والأم وحسب وإنما حاولت أن تقتحم عالم السياسة والدبلوماسية وشغلتها شؤون
ومشكلات وطنها رغم إقامتها في ألمانيا.
|