|
أين دماغي ...؟
عفاف عبدا لله الأسعد
في صباح نيسانيّ استيقظتُ صباحاً، وفراغ كبير في رأسي، ما هذا.. ؟ لمَ هذا الفراغ؟
هل استعار أحدٌ
ما دماغي...؟
أم أنه سُرق!!؟ وبمحاولة يائسة مني حاولت البحث عنه، تصورته جريدة ففتشت
عنه بين الصحف، أو صحناً ففتشت عنه بين الصحون... في جيوبي المعلقة والفارغة، على
الطاولة.. تحت الطاولة ، حتى خزانة الأحذية فتشت
بين محتوياتها القديمة والجديدة، بين الملابس الداخلية والخارجية، لم أجده ....
هل تسلل خلسة إلى الزمن القادم أم عاد عنوة إلى الزمن الغابر..؟؟
وبعد أن
فتشت عنه بيتي سبع مرات دون أن أنسى أي ركن فيه حتى المرحاض، خرجت أسأل عنه الحارة،
الشوارع، الزوايا المهجورة، سيارات الإسعاف، حاويات
القمامة
غير
الموجودة،
أكياس القمامة المتناثرة
في شارعنا بانتظار السيارة التي ستقلها إلى أطراف البلدة استعداداً لوليمة غداء
للكلاب المذعورة والمسعورة.
كنت أمشي كالمجنونة، أسأل المارة، القطط، الأبواب الموصدة، حتى فيروز استوقفتها
وسألتها فقد سمعتها تغني: وينك وينك صار في وادي بيني وبينك.....
هل المقصود بذلك دماغي...!؟
شعرت بقشعريرةٍ تجتاح جسدي النحيل، لقد ضاع دماغي أكيد، وإلاّ...
لمَ كان جوابُ كل من سألت بأنه
لم يره و كلٌ بدوره يقول لي:
العوض بسلامتك...طولي
بالك... ماذا ستعملين...
هذا قدرك!
ــ كيف أعيش بدون دماغ؟
صوت ــ ما حاجتك له؟
صوت آخر ــ كم مرة سبب لك صداع ...؟
بصوت أقرب للبكاء...... أ أ أ نا ... صداع ما علاقته بدماغي؟
الصوت الأخر ــ يا هنيالك لن تشعري بعد اليوم بأنك مهزومة دوما من الداخل.
أنا ! ! وما علاقة الدماغ بذلك؟
صوت أبعد ــ قلت لك ألف مرة أن تغلقي النوافذ جيداً على دماغك، وألاّ تحشرين انفك
بين البصلة وقشرتها وفي كل مرة كان دماغك يتألم.
صوت أقرب ــ وأنا كذلك قلت لها ذلك...!!
صوت جديد ــ لمَ لا تسمعي الكلام..!؟
أصوات عديدة ــ مجنونة.. ولا تسمع الكلام.
أنا لا أسمع الكلام..؟!
متى فتحت النوافذ إلا لتجديد الهواء...؟
فأنا أفتح عيوني لأرى، وأذني كي أسمع صوت حبيبي وأولادي، وأنفي لأعرف إذا كان هناك
تسرب للغاز أم لا، فجّرة الغاز هدية فرعونية أحبها، وفمي كي لا أموت جوعاً، ومسامات
جلدي لأشعر بدفء أحبتي، ولكي أميز بين الخشن والناعم والأخضر واليابس.
صوت جديد ــ اخرسي...أنت المسؤولة عن ضياع دماغك، تسمعين ما لم يُسمع و تُبقين
أذنك مفتوحة، وتَرين ما لم يمكن أن يُرى دون أن تغمضي عينيك، وفمك تفتحينه بمناسبة
ودون مناسبة، فامتلأ دماغك بقصص أدت إلى إصابته بحالة من الفلتان.
أي نوع من الفلتان تقصد..؟ احترم نفسك وعمرك وجيرتي وحيرتي وانشغال بالي.
الصوت الجديد ـ فلتان فني، فلتان فكري، فلتان عروبي، أو ربما اقتصادي أو سـ....
ــ اخرس لا تكمل.
الصوت الجديد ـ ( بتهكم واضح هذه المرة) من قال لي ماذا أعمل على كتفيك منذ أن
خلقت، هل أ قول لك ماذا همست في أذنيه، وبالأصح، ماذا كنت ستهمسين عندما شاهدته
صدفة، وكيف تشاجرتِ مع ........؟ هل أكمل...؟
ـ اسكت بالله عليك... دعني وحيرتي، يا الهي لا أستطيع أن أصدق كيف سأعيش بدون
دماغ...
لن أنبش ذاكرتي بعد اليوم، ولن أخزن ذاكرة جديدة، سأنسى ما حدث في لبنان والعراق
وفلسطين، ستغيب من مخيلتي صورة " أطوار بهجت" وهي ذبيحة، قانا وأشلاء أطفالها، لن
أسمع أصوات صهيل الخيول العربية القادمة لوقف النزيف العربي، لن أرى احتفالاتهم
والأوسمة المعلقة على صدورهم، ولن أشم روائح قذارتهم وأبخرة الطعام من على موائدهم،
وعلب السجائر الأجنبية، وبصمات البترول العربي عليها، لن أسمع شعاراتهم، وأصوات
مطربيهم وجلسات اجتماعاتهم.
لن أرى الشريط الإخباري، لم أعد قادرة أن أحصي عدد القتلى في العراق ولا عدد
الانفجارات، لن أتمكن من مشاهدة مقابر السيارات المتفحمة والأجساد المتطايرة في
عراقي الحبيب..، لن أتابع الجزيرة الوثائقية بعد اليوم لأكتشف خداع البعض ونفاقهم،
وتخطيطاتهم السرية.
لن أتمكن من معرفة أرقام النازحين من جنوب لبنان الجريحة والعراق المحترقة، لن
أميز بعد اليوم بين القاتل والمقتول، الظالم والمظلوم، بين الشرق والغرب، الأسود
والأبيض، الليل والنهار المحبة والكراهية، العربي والأعجمي، الأرض والسماء، سأدخل
الحمام عند جوعي، وأفتح البراد عند نعاسي، سأبكي في حفلة راقصة، وأهز خصري في أول
جنازة أصادفها، سأستيقظ عندما ينام الجميع وأنام عندما يستيقظون، سأبدل أصابعي
بلساني، وأنفي بعيوني، وشعري بأصوافهم، وأقتات عن طريق الإبر العضلية، وأسمع فقط
صرير قلمي وداخلي.
سأشم بعد اليوم ملامحي، ولساني لن أتركه يتراقص في فمي يمنةً ويسرةً، ولأي سبب من
الأسباب، ريثما أجد دماغي التائه.
ويا خوفي أن يجده أحدٌ، ويفتح ملفاته وخصوصاً ذاك الملف، عندها سيعلم الصادي
والغادي بأنني عاشقة من رأسي حتى قدمي لتربةِ الوطن، ولكثرة المحبة زاد العتب،
فكانت ثرثرتي و كان فضولي وهذا ما جعل دماغي يهرب مني، أو أن أحداً ما تقصد سرقته!!
على كل حال سأوكل محامي للمطالبة بدماغي التائه، وسأترك خبراً عند جارنا اللحام،
وأسأل بياعي الأشياء التالفة عنه، ربما عثر عليه أحدٌ عن طريق الصدفة وباعه لهم،
وسأترك خبراً عند مؤسسة الكهرباء ربما ذهب يحتج عن فاتورة الكهرباء للشهر الماضي،
وعند مؤسسة المياه ربما ذهب إليها لينقل لهم حلُمي بقدوم المياه( طقة الظهر)
والمؤسسة الاستهلاكية ربما ذهب ليشتري لي بعض الخضار والفواكه فأنا متأكدة بأنه
سمعني عندما كنت أثرثر أنا والجارة، بأنني اشتقت للتفاح والموز والبرتقال بكل
أصنافه، يا حبيبي أتخاف عليّ ! ! أين أنت؟
لن أنسى أن أسأل عنه جارنا الخضرجي، ربما فضل أن يكون بصلة لا أن يسكن جمجمتي، فقد
سمعته يقول مرة في احد الشجارات:" أنني أحسد البصلة فلا أحد يسأل عن مصدر رائحتها"
وسأمر بطريقي على حظيرة أبو علي، فقد سمعته يضحك ذات مرة وهو نائم، لأنه كان يحلم
بأنه حمار ينهق! متى يشاء.. وأين يشاء..!!!
أين أنت يا حماري، أقصد أين أنت يا دماغي العزيز..؟؟
يا الهي أريد أن أبكي ...... كيف أبكي وأنا بدون دماغ، فهذا الشيء الوحيد الذي كنت
أقوم به دون أن يسألني أحدٌ.. لماذا ؟
وأنا في حيرة وغيرة قال لي أحدهم: هل سألتِ بائعي العربات الجوالة ؟
يا الهي كيف لم يخطر ذلك على بالي.. ؟ ربما كان هذا المكان الأمثل، هذا ما كنت
أسائل ذاتي عنه وأنا في طريقي إلى سوق الأدمغة الموازي لسوق الجمعة، وسوق الهال،
وسوق الحرامية وعند أول عربة، أوقفتُ عجلة أقدامي أمام عربة احتفظ بها صاحبها من
أيام العثملية، عليها أدمغة ورؤؤس فارغة، أمعاء دقيقة وغليظة، لسانات بأطوال
مختلفة، قلوب وقوانص، وبحركة لا شعورية تحسست صدري، كي أ تأكد من نبض قلبي، ربما
يكون الآخر قد تاه!!
ـ يا عم أريد دماغي.
ـ أيهم فهم كُثر.
ـ لا تمزح، أين دماغي؟
ـ أعطني بعض المواصفات...
ـ أصغرهم حجماً، أكثرهم عفونة، أقلهم تلا فيف، شقوقه قد تلاشت، شجرة الحياة
المخيخية أزغفت بغير أوانها لكثرة غسلي لرأسي بماء بارد في كل نوبة صداع، بصلتي
السيسائية لا تكفي لطبخة(مجدرة)على أصولها، نخاعي الشوكي ضامرٌ متناسبٌ مع وزني،
أعصابي تالفة، مشدودة، متوترة، مهترئة، يابسة كأغصان أشجار العراق.
ـ لا يوجد لدي دماغ بهذه المواصفات.
ـ ساعدني بمعرفتك أرجوك...
ـ اختاري أي دماغ بدلاً عن دماغك.
ـ لك كل الشكر...
وقبل أن يغير رأيهُ، اخترت دماغاً كان أقربهم لمتناول يدي، وحشَوته بسرعة داخل رأسي
كي لا تنكسر جمجمتي من كرة ابن الجيران، وعدت إلى البيت أعدو وأنبح، وأحمد الله،
لأنه ولأول مرة يحالفني الحظ ودون ابتهالات، فقد اخترتُ دماغ كلبِ عن طريق الصدفة،
سيعلمني من جديد كل ما فقدته، وافتقده، فقد قيل لي ذات مرة بأنه من أوفى الأوفياء.
18/ 4/2007
|