|
سنابل القمح
سليم عمر
كانت الشمس قد غطت بالكاد وجه الأرض، في يوم صيفي بدا من بدايته أن حرارته ستكون
لهيباً، فقد خيم على الكون سكون شامل خلا نسيمات تحركت بين الحين و الحين خلت من كل
أثر للرطوبة.
دخلت حليمة المنزل الترابي ذي السقف الوطيئ و قد تلاصقت غرفتاه، خصصت إحداهما للسكن
أما الأخرى فقد كانت بمثابة حظيرة للماشية و البغلين، تتصل بالأولى بباب ضيق أما
الباب الأوسع فقد كان يفضي إلى الخارج من واجهتها الجنوبية.
بدا
عليها أنها في عجلة من أمرها، فهي تسرع الخطو، تنتقل هنا وهناك لتنتهي من عملها قبل
أن يصحو رضيعها الذي بدأ يشغلها عن الكثير من أعمالها، إلا أنه ملأ عليها حياتها في
الوقت الذي أخذ فيه والده يغيب عن المنزل مدداً أطول، يعمل في قطعة الأرض التي
اقتطعها له والده، و يعمل لدى الآخرين من سكان القرية أيضاً، يعمل أياماً بمفرده، و
أياماً أخرى مع بغليه مقابل أجر يسد به نفقات الحياة.
ما
الذي تريدني أن أطبخه لك هذا المساء ؟
أهناك غير البرغل أو عصيدة اللبن ؟.
رد
صالح و قد بدا عليه الاستعجال فهو يريد أن ينطلق إلى عمله قبل أن يتأخر به الوقت.
فقالت حليمة و قد ارتسمت على وجهها ابتسامة:
لا
نزال نملك دجاجتين و بعضاً من الصيصان.
و
إذا وفد علينا ضيف على حين غرة ؟
قال
ذلك و قد تأهب للخروج فهو لا يريد أن يسمع جوابها. إن عليه أن ينطلق قبل أن ترتفع
شمس تموز، حيث تكون ذروة العطاء في العمل الساعات الأولى من الصباح، يأخذ معه
زوادته و بغليه يشدهما مع وصوله إلى الحقل إلى وتد مغروس في بقعة من الأرض حصدها في
يوم سابق، بينما يضع زاده تحت سترة قطنية في ظل جدار وطيئ صغير أقامه من الحجارة
يقي به الزاد من حرارة تموز و لهيب شمسها.
تنفست حليمة الصعداء و قد أشرفت على الانتهاء من الوجبة الصباحية لعملها اليومي:
حررت الماشية من الحظيرة، و علفت للطيور، و رتبت غرفة السكن، و رشت أرضيته بماء
البئر جلبته على دفعات ثلاث، و خضّت اللبن. فصلت عنه الزبدة ثم رشت عليه بعضا من
الملح بعد أن عزلت قسما منه وو ضعته جانباً، حيث دأب صالح على تناوله في الحقل مع
بضع تمرات.
هل
فصلت الزبدة عن اللبن يا حليمة ؟
نعم
يا أمي. و إنني على وشك تمليحها. هل أقوم بتمليحها كلها يا أمي ؟
أهي
كبيرة في حجمها ؟
إنها بحجم الآنية البيضاء التي نشرب بها.
إنها ليست بالكمية الكافية.
-
أعرف ذلك، فقد ساح بعض من الحليب على الأرض مساء البارحة.
إذا
ملحيها كلها … لا لا يا حليمة ضعي قسماً منها جانباً دون تمليح، فقد يتناولها أخوك.
آه
أيتها الأم العزيزة. لكم اشتقت إليك، لكم متلهفة أنا إلى لقياك، إلى الارتماء في
حضنك، إلى الجلوس إليك أفضي إليك بكل ما يعتلج به صدري، إلى أن أصغي إليك تقصين علي
حكاياتك عن أهلك و عن القرية و عن سكانها، و من غير أن تفوتك نصيحة هنا و نصيحة
هناك.
آه
يا أمي … لكم علقت بذاكرتي صورتك في تلك الليلة البائسة، لقد ظهرت عليك الحيرة و
تقطعت منك الأنفاس، و تجمدت منك الدماء في العروق حين هبط علينا عمي - و على حين
غرة - في تلك الليلة الشتوية. كنا مجتمعين وقتها إلى موقد الحطب في دائرة واسعة و
قد زاغت أبصارنا في لهبها فيما تشابكت منا الأصابع تضم الركب، تتناوبين الحديث مع
أبي فنرهف السمع حيناً، و نغالب النعاس حيناً، و ننتظر ضمور النار قبل أن يأوي كل
إلى فراشه. دخل علينا على غير عهد نا به؛ مربد الوجه، مضطرباً، يتناثر رضاب فمه
فقاعات و رذاذاً لدى كل كلمة تخرج من حنجرته، حتى أننا بالكاد سمعنا تحيته التي
أعقبها بزعيق أيقنا من أنه لا ينتهي على خير :
ما
الذي تنويه يا قادر ؟ ؟ قل أفصح.
ماذا تقصد يا رسول ؟ سمّ الله يا رجل. اجلس و خذ نفسا لنفهم.
أعتقد أنك تفهم ما أقول جيداً. أمرٌ اتفقنا عليه سابقاً. كان من المفروض عدم الخوض
فيه ثانية. لقد ولدت حليمة و يدها في يد خالد، و ها هي قد كبرت، و أرى أن الأوان قد
آن.
و
أنا لم أقل شيئاً يخالف ذلك !!.
و
هذا مما يزعجني أكثر. لماذا لا تقول شيئاً إذاً ؟ أم تراك تتثاقل علي ؟
تعال هنا و اجلس يا رسول، فأنت لم تفسح لنا مجالاً نهيئ لك فيه مكاناً للجلوس. ثم
من قال لك بأنني أتثاقل عليك يا رجل ؟ و لماذا أتثاقل عليك ؟، و أنت تعلم بأننا
خرجنا من بطن واحدة. و على علمي فإن أمنا كانت تصون حرمة والدنا.
إذاً لماذا لا تتحرك ؟ فقد مرّ موسم الحصاد، و ها إن الشتاء قد حل.
ألا
ترى بأن حليمة لا تزال صغيرة على الزواج يا أخي ؟ إنها لا تزال تبكي على قطعة من
الخبز.
و
لكن ابنتي ليست صغيرة، و كذلك ولدك عيسى.
و
لكنني كنت أعتقد بأننا سنزف الفتاتين في يوم واحد.
هذا
ليس بذي بال. يمكننا تأجيل زفاف خالد و حليمة إلى الموسم القادم
على
بركة الله إذاً.
و
تناهى إلى سمعها صوت صغيرها يؤذن بالبكاء:
-
( كم أنت ذكي أيها الصغير. لقد تفرغت لك).
سارت نحوه جذلى،. تتطلع إلى وجهه الدائري الأبيض وقد التمعت فيه عيناه الحوراوان
الخاليتان من أي أثر للرموش، يغطي لفافته لحاف صوفي، بينما اختفى زغب رأسه في حطاطة
بيضاء نظيفة، و ما أن لمح الصغيرخيالها حتى بدأ يحرك كتفيه يمنة و يسرة في محاولة
منه للإفلات من الإزار الذي شد لفافته إلى جسده الصغير بإحكام.
تناولته متلهفة، و أخفت وجنته الصغيرة بين شفتيها، لكأنما تقبله بعد غيبة طويلة.
دارت به أنحاء الغرفة تشده إلى صدرها، مستشعرة نشوة ما بعدها نشوة.
حليمة. ماذا تفعلين عندك يا بنتي ؟، تفحصي أخاك فيما إذا كان لا يزال نائما في
مهده.
نعم
يا أمي سأفعل. و لكن قبل ذلك قولي لي: لماذا لم تفتحي فمك حين ملأ علينا عمي الليل
زمجرة و غضباً ؟
و
هل كنت أستطيع أن أقول شيئاً يا حليمة ؟ الرجال فقط يتكلمون. ثم ماذا كنت تتوقعين
أن أقول ؟ أخوك راض بابنة عمه، و كذلك ولدا عمك. أم أنك ترين غير ذلك ؟
إنني أخاف خالداً يا أمي. أنا أشعر في كل مرة أقف فيها أمامه بأنه سيشبعني ضرباً و
توبيخاً. أنا لم أجرؤ يوما على النظر في عينيه، لكأنما …
إن
الأمر ليس بهذا السوء يا حليمة، فغداً عندما تتزوجين خالداً ستجد ينه في شكل آخر
لامكان فيه للخوف.
ثم
هناك أمر آخر يا أمي أود أن أقو...
-
( إن أي قول في ذلك لا ينفع في شيئ، و كيف لهذه المسكينة أن تقف في وجههم جميعا )
ثم
ماذا هناك يا حليمة ؟ أم أنك تريد ين أن تخفي عن أمك أيضاً ؟.
لا
يا أمي. لا شيئ أخفيه عنك. سأذهب لأتفقد أخي.
قاربت الشمس كبد السماء، و بدا جلياً أن لهيبها قد وصل الذروة، وهو يتسرب إلى بيوت
- قه ره قوب - المتباينة المتناثرة في كل مكان: من الأسقف و من الأبواب و النوافذ،
لا يخفف من وطئته أرضية المنازل المرشوشة بماء الآبار، و لا حفنات المياه التي تبلل
الوجوه و الأعناق بين الحين و الحين ؛ بينما جلست حليمة إلى وليدها و قد تشتت منها
الفكر بين ماض قريب يشدها إليه بعنف، و حاضر متلون لم تقع فيه على لحظة هناءة
خالصة. فقد ظلت الفرحة ممزوجة بالألم، و بقي الهم يمسح البسمة، و سيطر القلق على كل
حركاتها:
-
( إن ذلك يجب أن ينتهي ).
و
انتشلها من شرودها حركات الصغير الذي بدا عليه أنه غير آبه بدخيلة أمه، و لا بهذا
اللهيب الذي يملأ المكان، و يسد الأنفاس، فقد كان منشرحاً و قد تحرر من عقاله، يحرك
يديه و قدميه في كل اتجاه، و من غير انتظام، و تزداد حركاته شدة يصاحبها صوت متقطع
كلما التقت عيناه بعيني أمه التي تناولت إحدى لفافاته النظيفة تمسح بها قطرات ناعمة
من العرق تجمعت على جبينها و أرنبة أنفها و عنقها، و أخذت تحفر طريقها إلى الأسفل
دون استقامة.
مرحباً خديجة. تعالي ادخلي، اقعدي هنا بجانب رشيد الصغير و حدثيني.
قالت ذلك و قد همت واقفة تفسح الطريق لخديجة للجلوس.
عن
ماذا أحدثك يا حليمة؟
قالت خديجة، و قد تكومت على الأرض قبالتها، يفصل بينهما الصغير.
حدثيني عن كل شيئ يا خديجة. عن أمي، و عن أبي، و عن أخوتي. عن كل ما وقعت عليه
عيناك هناك. ثم بحسرة و بألم:
لكم مشتاقة أنا إلى حضن أبي، أرمي عليه رأسي، و أغمض عيني فأنسى الدنيا كلها.
و
ما دمت تكنين لهم كل هذا الحب، فلم فعلت ذلك يا حليمة ؟.
- وهل سنعود إلى هذه السيرة من جديد ياخديجة ؟ أ و كنت أعلم بأن العناد سيركب
رأس عمي و أخي فلا تنفع معهما شفاعة شيخ أو قريب أو وجيه، أو أنك تعتقدين بأنني كنت
أول من سلك هذا الدرب ؟ إن من أقدمن على زواج الخطيفة من الفتيات كثيرات لا يحصين،
فــ …
- دعك من ذلك يا حليمة. قاطعتها مبتسمة، ثم أكملت :
فقط أردت ممازحتك. ثم تابعت :
لقد جلست طويلاً إلى والدتك، و قد كان أبوك و عيسى غائبين عن المنزل. صمتت لحظة و
قد بدا عليها التردد.
أكملي، و ماذا بعد ؟.
لقد كانت والدتك في قلق و حزن عميقين، و لو أنك وجدتها في تلك الشاكلة لما تعرفت
عليها، لقد تقدمت عشرين سنة إلى الأمام، و اختفى من وجهها أي أثر للسعادة و البسمة.
أ
كانت زوجة عيسى لا تزال غائبة عن المنزل حردانة ؟
نعم. و لا تزال والدتك تقوم برعاية صغيرتها و كأن أثقالها و همومها لم تكن تكفي
بعد.
و
أخواتي الصغيرات، من رأيت منهن ؟ كيف وجدتهن ؟
الاثنتين، بهية و نارين. كن متلهفات إلى سماع أخبارك، إلى معرفة كل شيئ عن رضيعك.
و
مدت يدها إلى جيب قفطانها فأخرجت منه مكحلة و شالاً، ناولتهما حليمة و هي تقول :
خذي
إنهما من بهية، اشترتهما لك من عامودا، إنهما من أجود الأصناف. ثم مدت يدها إلى
جيبها الأخرى فأخرجت منها قطعة ذهب رسم بوسطها عين بؤبؤتها عبارة عن خرزة زرقاء و
قالت:
أما هذه فمن والدتك. تعلقينها بصدر الصغير.
اهتز كل ذرة في كيانها، و تدافعت الدموع إلى عينيها و انحبس صوتها فلم تنبس ببنت
شفة. أمسكت طرف ثوبها فمسحت به دمعاً أوشك أن يجري، و بقيت تنظر في الفراغ.
إن
هذا مما يحزن يا حليمة. و لكن عليك بالصبر إلى أن يأتي الفرج. ثم مكملة و قد استوت
واقفة :
علي أن أذهب يا حليمة، فورائي عمل كثير. و انصرفت.
نهضت حليمة متثاقلة لكأنما شدت قدماها إلى وتد مغروس في الأرض، فبدلت رقع رضيعها و
أخذت تلفه بلفافة بيضاء شدتها على عظامه بإزار رفيع من الحرير، ثم انتشلته من مهده
فضمته إلى صدرها تمده بنسغ الحياة من حلمة ثديها.
كانت تعرف أنه لا يزال أمامها متسع من الوقت، حيث لم يبق عليها إلا أن تعد طعام
العشاء لزوجها، و لكنها لم تكن تحبذ التأخر في مغادرة المنزل، فقد ينزل عليها صالح
في أية لحظة مع انحدار الشمس إلى مغيبها.
ها
قد مرّ حول و نصف الحول يا صالح. أسنظل هكذا ؟
و
ما الذي كنت قادراً عليه و لم أفعله يا حليمة ؟ !. لقد حاول والدي وسعه لمصالحة
أبيك و عمك، و كرر ذلك. لقد أرسل فقيهاً بعد شيخ، و قريباً بعد وجيه، و لكن كل ذلك
لم ينفع من قريب أو بعيد. لقد تناست عائلتك بأننا كنا اثنين من جمع لاحصر له سلك
هذا الدرب، و قررا الزواج على طريقة الخطيفة. و قد جرت العادة بأن تتصالح الأسرتان
بعد أيام أو أسابيع و يعود كل شيئ إلى حاله. لقد فرت عمتك مع زوجها سعيد، و فعلت
مثلها ابنة الحاج درويش, و لا تنسي سعدة ابنة الحاج أحمد مختار القرية، إنها فرت مع
خادم أبيها وانتهى الأمر كذلك بالصلح. أم أن عمك يرى نفسه و قد نزل من السماء ؟.
إنه يصر على عناده لأنني كنت على ذمة ابنه.
لقد عرض عليه والدي دفع مهر أية فتاة يختارها خالد.
و
لكن أخي عيسى يزيد الطين بلة، إنه يقف إلى جانبه.
إنه يفعل ذلك مدفوعا بحقد زوجته.
أو
تردك أخبار عيسى يا صالح ؟.
نعم. إنه لا يزال يهدد بقتلي.
احذر يا صالح، اجعل نفسك و كأنك لا تسمع شيئاً.
أنا لا أريد الإساءة إلى هذه العائلة ثانية. و لكن ماذا أفعل إذا ركبت الحماقة
رأسه وأراد إيذائي ؟.
و
لهذا فإن عليك أن تزداد حذراً، وأن لا تتحدث لأي كان، فهناك من يعمل على تأجيج
المشاعر و إشعال النار.
أعلم ذلك
صالح.
نعم. ألديك شيء آخر تريدين قوله ؟
نعم. وأخشى أن لا يروق لك ذلك. إنه مجرد كلام.
هاته.
ما
رأيك في أن أمد رقبتي لأهلي ؟ أن أعود إليهم، و ليفعلوا بي بعد ذلك ما يشاؤون.
ماذا ؟! أ جننت يا حليمة ؟ إياك أن تركب الحماقة رأسك. إن نتيجة ذلك نهايتك
المحتومة على يد أخيك. إياك أن تفكري بهذه الطريقة. أم تريدين لرضيعك اليتم و لما
يبلغ العام ؟ !
أنا لم أقل بأنني سأفعل ذلك حتماً، إن الأمر لا يعدو كلاماً.
و
لكن حليمة لم تكن تريد من وراء ذلك كلاماً فقط، فقد اختمرت النية في رأسها منذ زمن
و قد وجدت أن لا نهاية لهذا الجدل، و أن لا مفر لها من العاقبة المنتظرة:
-
( أم تراني سأترك أبي خافض الرأس، غير قادر على التحديق في أعين الرجال؟ و أمي هذه
المسكينة التي تظل تلام على ما حصل بسبب و بغير سبب ).
انتهت حليمة من إعداد طعام العشاء لزوجها فهي لا تريد له أن يأتي بعد عمل نهار كامل
من غير أن يجد ما يأكله. ألقت نظرة على ما حولها فلم تجد ما يتوجب عليها إنجازه.
تناولت رضيعها فاحتضنته ثم غطته بقطعة قماش تحميه من لفحة شمس تموز و خرجت بعد أن
أغلقت الباب وراءها بإحكام.
كان
الهدوء يخيم على الكون و على قرية - قره قوب - في مثل هذا الوقت من اليوم، حيث لم
يحن بعد أوان العودة من الحقول، أما النسوة و الأطفال ممن لازموا ذلك اليوم القرية
فقد كانوا لا يزالون قابعين داخل البيوت الطينية ينتظرون انحدار الشمس و عودة
الحصادين لتدب الحركة في أزقة القرية، فتنجز النسوة وجبة المساء من أعمالهن، بينما
يخرج الصبية لملاقاة ذويهم يحملون عنهم جزءاً مما جلبوه من الحقول، و لهذا فهي
اختارت مثل هذا الوقت حتى لا تثير الانتباه و هي تغادر القرية، و قد آثرت أن تتوجه
إلى موزان أولاً و من هناك تأخذ طريقها إلى - سيمتك - حيث تسكن أسرتها، و هي أرادت
من وراء ذلك أن تتفادى ملاقاة العائدين من الحصادين و قد يكون بينهم صالح، كما أنها
أطالت المسافة فهي تريد أن تدخل - سيمتك - كما خرجت منها، بعد أن يكون الظلام قد
نشر خيوطه، و اختفت كل حركة من الأزقة :
-
( ما أشبه البداية بالنهاية، لقد ألقى الظلام علينا بأستاره في الأولى، و ها هو
يشملنا في الثانية، لم يتغير شيئ ؛ الحياة لا تزال تضج حركة، و الناس لا يزالون
يتحركون كالنمل، والطرقات نفسها لا تزال تحتضن المتنقلين. شيئ واحد تغير أيها
الصغير، فقد حللت محل والدك، و من الخير لي أن تكون معي من أن تبقى مع أبيك، فأنت
ثمرة جنايتي، و من الأفضل لك أن تنتهي الآن من أن تذوق مرارة اليتم، و من أن تحمل
وصمة أمك. و من يدري ؟ فقد تفتدي أباك ).
كانت حليمة تغذّ السير في طريق خلا من كل أثر للسابلة، تتناوبها الخواطر و الأفكار
فتزداد توتراً، و تتصبب عرقاً ينزل مع تقاطيع جسدها إلى خفيها المطاطيين حيث يمتزج
مع بقايا تراب ناعم يدخل الخفين مع كل خطوة تخطوها في طريق متعرج يبدأ بالصعود مع
اجتيازها لقرية موزان إلى أن يصل الوادي الذي يفصل تخوب القريتين عن بعضهما حيث
تبدو الأرض كهضبة واسعة تشرف على ما حولها من أرض منبسطة منقطة بكثافة بقرى عامرة
أحاطت بعامودا من جهاتها الثلاث بينما تتكيئ من الشمال على آخر سلسلة من سلاسل جبل
أومريان. ألقت نظرة إلى الوراء فشد بصرها تلة موزان بعلوها و ضخامتها و هيبتها و هي
تجذب الخيوط الأخيرة من الشمس بقوة من صفحته الغربية تؤكد على حضورها، وعلى أنها
آخر شاهد لهذا النهار الذي بدا أنه قد تخلى عن حليمة، و أنه قد أسلمها إلى الليل و
ظلامه.
توقفت حليمة هنيهة، و قد شعرت بأن الإعياء قد بدأ يتسرب إلى جسدها، و أن قدميها
بدءا ينغرزان في الطريق فهي تنتشلهما انتشالاً، أما قلبها فقد بدأ يرتجف في صدرها،
فيزيد من لهاثها، و قد تراءى لها - سيمتك - تستقبل الليل ببيوتها الكثيرة المتلاصقة
في دائرة كبيرة.
سحبت نفسا عميقا، و قد امتد بها البصر و زاغ في الساحة الواسعة في غرب القرية، و
التي تشهد أفراح أهلها. كان ذلك قبل حولين، و كان الشهر الأخير من صيف تلك السنة،
حيث انتهى الناس من جمع محاصيلهم، و تفرغوا لعقد مناسباتهم التي تؤجل في الغالب إلى
هذا الوقت من العام. و كان الوقت مساء جميلا شهد زفاف فواز ابن حسينة. كانت الساحة
قد امتلأت بالمشاركين من القرية و مما حولها، و كانت حفلة زواج متميزة، فقد كان
وحيد حسينة التي كانت قد نذرت بأن حفلة زواجه لن تكون ككل الحفلات، و كانت حليمة مع
أمها وأخيها عيسى تحضر تلك الحفلة، تلتصق بأمها في إحدى زوايا الساحة، تنظر إلى
حلقة الرقص الواسعة حيث تتشابك الأيدي و تتحرك الأقدام بتناسق و انسجام، بينما
يدوي صوت الطبل و المزمار في القرية، بل إنه يتعداها لينادي على سكان ما جاورها من
القرى:
لماذا لا تدبكين يا حليمة ؟
أخجل من ذلك يا أمي. أشعر بأن جميع الأبصار ستتطلع إلى قدمي فتنزلقان لأقع أرضاً.
لا
يا حليمة إنك تبالغين كثيراً. حاولي أن تتخلصي من خجلك الزائد هذا.
و
كيف لي ذلك يا أمي.
الأمر لا يحتاج إلى كثير عناء. ادخلي حلبة الرقص بهدوء، و لا ترفعي بصرك عن الأرض
مهما حدث. هيا اذهبي الآن.
إلى أين ؟
أترين أخاك وسط الدائرة ؟ توسطي بينه و بين ذلك الشاب الطويل على يمينه.
و
من هو هذا الشاب يا أمي ؟
إنه صالح بن الحاج رشيد. من قرية - قه ره قوب - تربطنا علاقة قديمة بهم، و قرابة
من بعيد.
و
هكذا كان أول لقاء بيننا يا صالح، لكأنما كان كل منا يبحث عن الآخر منذ زمن، فقد
انحفرت صورتك في الذاكرة، و امتلكتني مشاعر جديدة لم أكن أعرف لها طعماً قبل تلك
الأمسية، سيطرت على كياني، و قلبته رأساً على عقب. ويبدو أنك أنت الآخر قد جدّ لك و
فيك جديد، إذ لم يمض على ذلك المساء أسبوع حتى كان والدك في ضيافتنا، و لكنه عاد
خائباً :
منزلتك رفيعة عندنا يا حاج، و لكن حليمة مخطوبة لابن عمها.
كشفت حليمة عن وجه رضيعها تتفقده. كانت قطرات ناعمة من العرق تملأ وجهه بينما كان
لا يزال مستغرقا في نومه، يضم شفتيه إلى بعضهما لكأنما يبحث عن قطرة ماء يبللهما
بها، و يشد جسده إلى بعضه يحاول من غير جدوى الإفلات من الإزار المشدود عليه
بإحكام، ثم ترتخي بعد ذلك عضلاته ليستغرق في النوم من جديد و من غير أن يصدر أي صوت
يبدد هدأة المكان و وحشته.
انحدرت حليمة مع الطريق إلى قعر الوادي لتصعد ثانية و قد أخذ الظلام يتكاثف شيئا
فشيئا، و توقف الجراد عن عزفه، بينما أخذت هبات خفيفة من النسيم تضرب نباتات القمح
الباسقة التي لم تحصد بعد، و قد مالت منها الأعناق مثقلة بسنابل محشوة بحبات ذهبية،
فتتمايل يمنة و يسرة لتتشابك أوراقها الجافة و نصالها المدببة في موجات خفيفة تصدر
فحيحا خافتا يلقي على المكان رهبة و يدفع بالمزيد من الهواجس إلى أعماق حليمة التي
استمرت في سيرها تجرجر قدميها في طريق لم يبق منه إلا أقله، و قد أخذت الأصوات
المنبعثة من - سيمتك - تضرب مسامعها، و بدأت الأنوار الخافتة المنبعثة من نوافذ
بيوتها تلتمع أمام ناظريها، وهي تقترب من المنزل الذي كبرت فيه بركبتين متكسرتين،
و بخطوات متعثرة متقاربة متناوبة.
|