نازك الملائكة نجمة خالدة في سماء الحقيقة
خلدون جاويد
أروع
ما
يلفت
الانتباه لدى الشاعرة نازك الملائكة كما هو لدى المفكرين الكبار وأعمدة العالم
الشعرية والروائية المعروفة، هو أن قول الحقيقة ضرورة لابد منها وهو حجر الزاوية في
العمل الأصيل. فالكشف عن خوالج الذات يمنح العمل خلوده وينأى به عن التمويه
والتخوّف والكذب.
بطل دستويفسكي في الانسان الصرصار – على سبيل المثال - قد استهل نثيره الهامس
بكلمتين عجيبتين: " أنا رجل مريض ، أنا جبان ... " الخ . اليكسي تولوستوي في درب
الآلام ابتدر القول بتعبير متناقض: أنا فرح وحزين ! تشيخوف في عنبر رقم 6 يجرح وقار
العقل لينتصر له، دانيال في دروب الحرية لسارتر يلقي بقططه في البحر تخليدا لحبه
لهما !. نازك الملائكة في قصيدة نفترق تحبذ الغياب على اللقاء والبعد على القرب
لهواجس وجودية مترعة بالتحليل الحسي وهي القائلة أيضا في قصيدة صراع :
أحب وأكره ماذا احب وأكره ؟
أي شعور ٍ عجيب ؟
وأبكي وأضحك ماذا ترى
يثير بكائي وضحكي الغريب ؟
أريد وأنفر ، أي جنون ٍ
حياتي وأي صراع ٍ رهيب ؟
وسوى هذه الأمثلة مئآت بل آلاف هي بذاتها شذرات لامعة في دفق
السايكولوجيا الصادقة ووهج الذات المنفتحة على غرابة الجمال في التعبير.
وكذا الأدب الفضائحي هو فضاء كاشف لعلل وأوجاع النفس الإنسانية
معبر عنه في الروايات الجريئة وعموم الكتابات الخالدة. وهنا في عالم الطب النفسي
يحتاج المطبب والباحث المعالج إلى معطيات منها سبب مرض وجبن بطل ديستوفسكي وفرح
وحزن بطل تولوستوي في آن واحد، ولمن تريد نازك الملائكة منالا ولا تريده ! ولمن قال
نزار قباني في حائيته الجميلة :
يريد ولايريد فيالثغر ٍ
على شطيه يحتضر الوضوحُ
وجمالية الثغر المدبوغ - هنا - بجحيم رغبة وبنقيضه من امتناع إنما
هما حالتان من تناقض يلهب باخوس بذرى حريق ووهج تتفجر عنه القصائد والخرائد ويلقي
عبقر هو والفراش الحائر روحه على سبعين ألف نار ! ، وهذا التشظي هو الفن، وليس
التقبيلة الباردة لزيجات مدفوعة الأجر أو أخرى بالإكراه !
كان كيتس الشاعر الانجليزي العظيم يتمنى تقبيل العرائس وهو يطاردهن
بين المروج ويتمنى بذات الوقت أن لا يمسك باحداهن رغبة ً منه بأن يظل في حالة من
الظمأ والوله – اللهيف - على حد تعبير نازك الملائكة . ان هذا التناقض هو منحى فكري
وفني جدير بالكتابة عنه والكشف الجريء عن الذوات الملتبسة للإنسان.
ان عالم الأزمات النفسية لهو أكثر غموضا من أسباب السرطان! وقد حارت
بكلا الحالتين ألباب النطاسيين ! قال الشاعر الكويتي المبدع محمد يحيى الوريث وهو
على سرير الموت :
أُواه ماالسرطان الاّ اللعنة الكبرى
وخصم ٌ بالجريمة معرق ُ
حار النطاسيون في أدوائه
وتقطعّت سبل الخلاص وأخفقوا
ولو قرأت نازك الملائكة هذه الأبيات أمام طبيب نفسي لأخضعها مباشرة
إلى جلسات علاجية متعددة :
" إن أكن أبسِمُ كالطفل السعيد
فابتساماتي َ وهم ٌ وخداع ْ
إن أكن هادئة ً، بين الورود ِ
ففؤادي في جنون ٍ وصراع ْ
نازك الصدق والكشف في أبياتها هذه ، لن يجدي معها علاج فيزيائي، ان
الجرح في الروح! وقد قال إيليا أبو ماضي:
من تكن نفسه بغير جمال ٍ
لا يرى في الحياة شيئا ً جميلا
لكن يظل التعبير عن لحظة حسية صادقة مرآة ً لمستوى حضاري وهذا ما
تتجرأ عليه نازك وسواها من الشعراء يصل الحال ببعضهم أن يقول ما هو غير معتاد ولا
سائد ! فقد تمنى الشاعر حسين مردان أن يقدم - صدوف – إلى صديقه وبذا اخترق كل
تحفظات الخلق السائد وجرح الوقار بشذوذ فاضح وشنيع:
قسما ً بما ُطبعت ْ على شفتيك مِن
قبلات ألفي عاشق ٍ وعشيق ِ
أنا لست أحيا لحظة ً لو لم يكن
ريّا زفيرك يا صدوف شهيقي
إني عهدتك بالوصال كريمة ً
فهبي جمالك ساعة ً لصديقي !
والكتابة هنا عن الإحساس مهما كان مستوى الحرية الذي تتمتع به
لتعكس شجاعة الإنسان وعدم استخذائه أمام الباب العالي والمنبر السلطاني والرقابة
البوليسية. وكلما جاءت الكتابة معبرة عن الحس الظاهري والباطني كلما انتعشت الحقيقة
وأسقطت الجدران الترسانية لكواليس الذات البشرية، تقول نازك معبرة عن ضرورة الحس
وصدقية تثبيته :
" اعبر عما تحس حياتي
وارسم احساس روحي الغريب
فأبكي اذا صدمتني السنين
بخنجرها الأبدي الرهيب
واضحك مما قضاه الزمان
على الهيكل الآدمي العجيب
وأغضب حين يداس الشعور
ويسخر من فوران اللهيب "
وروعة الكتابة الجريئة هنا ، لنازك ومجايليها، انها تقول ما تحس به
هي لاما يطالب به الآخرون كدِيّة عشائرية ووصفة طبية ومرسوم ملكي وفرمان سلطاني
ودعوة ايديولوجية حزبية. إحساسنا هو الأول معناه نبل الكلام ونقاء النص وتلقائية
الروح، وهذا النهج مغتال في أغلب بلداننا ذات التضاد الجماعي الساحق لتفرد الأشخاص
في رغائبهم ونزعاتهم ولواعجهم وحتى شطحات أفكارهم والشاذ من خطلهم الفاتن وجنونهم
الفنان.
في قصيدة – عالم الشعراء – وثقت الشاعرة بلغتها الفنانة انبثاق
الرؤيوي والمستحدث والغنائي، وهذا هو الامتداد الضروري للعصر في تكونه المستجد
وصيرورته الدائمة من حيث انه يستقي إيقاعه وعبيره من رياداته واستشرافاته
واكتشافاته :
" انه شاطئ القصائد والألحان
يمتد غامض الكثبان ِ
في حناياه كلُّ ذرة رمل ٍ
رعشة ٌ وانبثاقة ٌ وأغان ِ "
ان في شعر نازك الملائكة إشارات ودلالات على أهمية الشعر في الكشف،
فهو المصور للحالات المنبثقة عن تقدم الأزمان وهو المضيف من روحه الرومانسية
والرومانسية الثورية تصورا لواقع مغاير. وهي عدا كونها رائدة للشعر الحر فبإمكان
محبيها ومريديها اعتبارها داعية للجرأة وبالحدود التي تقوى عليها امرأة في زمانها
العراقي المحافظ.
قالت في قصيدة جحود من ديوان شظايا ورماد – عام 1947 - :
انا لا أهوى ............ ما يحب الناسْ
فاذا دوّى ........... في دمي احساسْ
سرت ُلا ألوي ...سرت خلف الصوتْ
فغدا يطوي ....... فجرعمري الموتْ
في دمي اعصار ... عاصف بالجمودْ
وشظايا نار .......... تتحدى الركودْ
كل قلبي شكْ ........ في معاني الخيرْ
فكرة تضحِكْ .......... أنا أهوى الشرْ
إن يك ُ الجسم ُ ...... من تراب ٍ حقيرْ
فأنا إثم ُ .................. أنا لست أثيرْ
إن يك ُ العقل ُ ........ يمقت الانفجارْ
فأنا حِلُ ............... منه ياللعار ْ!
إن يك ُ الايمان ْ ..... هو هذا الجمودْ
فأنا نكران ْ ........... أنا كلي جحود ْ.
وختاما، ستبقى نازك خالدة في ذاكرة الأجيال لا
تنسى لأنها نجمة زاهية على فضاء
الحلم وشاطئ الحقيقة.
|