English Site

البحث في الموقع

   

    الشريط الإخباري  


ثلاث محاولات للغرق

                                                                                   علاء الدين غادري

انتهت أميرة للتو من زينتها وتصفيف شعرها، وراحت تضع اللمسات الأخيرة على وجهها أمام المرآة، كأنها تضعها على دميتها الرائعة، هل ما تعكسه المرآة هو صورتها؟ أم صورة الفتاة التي تحلم أن تكونها؟ بخفة ورشاقة وتجنب أي إزعاج، كانت أمها تتقدم من وراءها ساعية إليها، لفت خصرها بزراعيها وراحت تطبع قبلة على وجهها معقبة:

-          كم أنت رائعة يا ابنتي، تبدين خارجة إلى مكان ما.

-          نعم. لقد ضاق بي المكوث في البيت، أريد أن أتمشى قليلا، حاولت الأم أن تتفادى وضوح العبوس في وجهها، وتمتمت مطرقة:

-          كما تشائين، ولكن لا تتأخري وعودي بسرعة.

ثم راحت تراقب كتلة الجمال الذاهب بمنتهى العطف والحنو وبقلب أم واجف.

خرجت إلى الشارع تمشي بحركة عصبية واضطراب، كانت تحلم بأن تكون رائعة الجمال على الرغم من أنها كذلك، وكانت تحلم بأن تكون ممشوقة القوام مع أنها هيفاء، ولباسها المغري الفاضح بقصد جذب الأنظار أضعف في الحقيقة جاذبيتها، ولكن هيهات أن تقنعها، فما تصرفها في البيت وخارجه بتلك العصبية والحماقة في بعض الأحيان إلا ترجمة لحزنها الدائم، وقلقها الخانق حين تتمدد على الفراش فيأبى النوم وصالها.

عندما كانت الأم تحضر بعض الطعام في المطبخ، جاء شقيق أميرة قائلاً:

هل رأيت ابنتك عند خروجها بهذا الشكل الفاضح؟؟ ماذا تظنين العائد من ذلك؟!

أن شكلها يوحي بأنها والعياذ بالله.. إذن كيف تسمحين لها بذلك ونحن محافظون، أترضين لنفسك الظهور بمثلها؟!

بحزم ألقت في وجهه الجواب:

-          لا دخل لك في ذلك.. أتفهم!

-          لا! لست أفهم، كما أنني لا أفهم أين تذهب كل يوم؟

-          أيضا ليس هذا من شأنك !

-    بل هو من شأني، لأن خروجها على حالها هذه لا يدل على طالبة علم ومعرفة أو خلق، ولا حتى عابرة سبيل تقصد شراء شيء من السوق، أليس كذلك!؟

أنا أخشى عليها من الانحراف فهي لم تتعد العشرين من عمرها والغريب أنها عندما كانت أصغر سنا وأكثر مراهقة لم تتصرف بلامبالاة كما تفعل الآن.

-          أوه! حسن.. حسن! سأتحدث معها في الأمر.

-    ماما! أرجوك ! أنت دائما تقولين ذلك، غير أن الأمر جد خطير، إنها تخرج بكامل زينتها وذهبها وهذا يعرضها للخطر كما تعرفين، عدا أنها دائما في خطر، والفراغ الكبير الذي خلفه تركها للدراسة قد..

قاطعته:

-          لا تخف، أختك ليست سهلة.

وبتهكم

- كيف لا تكون سهلة بعد هذا الدلال الزائد!؟

- أرجوك.. كفى! أنا أمها وأعرف كيف أربي ابنتي وليس من حقك أن توجهني.. انتهى.

فداء لم تكن تتزين بغير سبب، كانت تريد لفت الأنظار، ولا يفوت أم فهم دافع حقيقي في دواخل ابنتها، لكن لا حيلة للأم فيما تفعله الفتاة غير التسليم، فلقد كان ضعف الفتاة الداخلي وحاجتها إلى النجاة والحماية يخلقان عندها، نوعا من الذعر تغطيه بطبقة سميكة من الغرور والتعجرف ودهون الوجه، وقد يمتد الأمر إلى أبعد من ذلك، إلى حيث من هو في الانتظار.

أومأت له بيدها إيماءة تحيي فيها السيدة خادمها فجاءها ملتهجاً، لثم يدها باحترام والزبد يخرج من زوايا شفتيه، ثم بابتسامة عريضة:

-          لماذا تأخرت يا رائعتي؟ منذ أكثر من ساعة وأنا هنا.

-          كنت مشغولة مع والدتي ببعض الأمر

-          لا عليك. تفضلي إلى داخل الاستراحة.

جلست قبالته، وأخذ يرشفها بنظرات عينيه رشفا، حين كانت في عالم آخر حيث أن مظهرها الاندماجي خدعة لا أكثر، أما هو فكان و منذ اللحظة الأولى يلتقط الصور ويبثها إلى الذاكرة بجد كي يحفظها بكامل تفاصيلها، ثم بعد أن تفارقه يفعل بما جمعه ما يشاء.

كانت تمثل لديه حلما رائعا، مع أنه غير واثق مما يسير إليه، فدوافعه الغريزية هي الأقوى حتى اللحظة، وهي المسيطرة على موقفه لأنها ليست أكثر من شهوة معلبة في جسد، فريسة تسود الموقف طالما أنها منتصبة على قوائمها في مكانها المرتفع، أما حينما تسقط إلى القاع وتنهار قد لا تصبح بعد افتراسها أكثر من أشلاء ممزقة، إلا أن طول مقاومتها وتمنعها قد يحولان المسألة في الاتجاه الآخر.

قالت:

-          يا سيد عمار .. مالك تنظر إلي هكذا بنهم!؟

كانت تخاطب صنما حجريا بشفتين متحركتين أجابتاها:

-          إنك قطعة من الحلوى، لا لست كذلك أنت قطعة من الماس صالحة للأكل بطعم ليس له مثيل.

-          يا سلام!!

-          بل وأكثر من ذلك، فلقد تحملت في ليال كثيرة ما فوق طاقتي لأجل المحافظة عليها فمتى؟ متى ألثم الشهد من شفتيك؟!

-          وبسرعة وجهت إليه ضربة.

-          أنت متملق خبيث يا عمار.

-          أنا؟ أنت مخطئة، لأنك لا تدركين مشاعري نحوك.

-          حقا؟!

-          وهل أقول غيره؟

 عمار كان خبيثا بما فيه الكفاية ليعلم أن أسلوبه هذا يحرك رضا أية فتاة نحوه، إلا أنه لم يكن عميقا إلى درجة أن يدرك أنه يسبب لفداء حزنا تحاول إخفاءه، حتى ولو سلمت له يديها وداعبهما فحينما تركتهما بين يديه، طارت إلى غرفتها الصغيرة لتغلق بابها على نفسها وتذوب في بوتقة الحزن والوحدة، أما هو فطار بمخيلته إلى غرفته لأجل أشياء أخرى.

في البيت كانت الفوضى والضجيج غير قابلين للاحتمال، وكذلك الشعور بالضيق والاختناق جعلا أصحابه يفتحون باب البيت الخارجي على مصراعيه باستمرار عل الضوضاء تنطلق خارجا، طلبا لراحة مؤقتة أو خشية من انفجار المنزل.

النوم كان مجافيا لها، مع أنها لا تنفر من الضجيج ولا تحاربه بل كانت صديقة له، فمسجلها الذي يبقى دائما على أعلى درجة يشهد بذلك، وإن كان لا أحد ممن يشاركها المنزل غير أبويها من أخويها العازب والمتزوج يجرؤ على إبداء انزعاجه، فالمتزوج سيصفع بالقول (اسكت ولديك الصارخين أولاً، ثم زوجتك الثرثارة دائمة التذمر ثانيا، ثم تحدث عما تشاء)، والآخر سيردع  فورا:

اصمت لا دخل لك أنت فشجارك مع أخيك الدائم أفظع، بقي الأب الذي يأتي من عمله فورا إلى الفراش بسبب الإنهاك ومستعدا للانفجار حالما يسمع همسة تطرق أذنيه، فما بالك إن سمع صراخا، كل دلك يختفي ويحاول كتم ضيقه وغضبه حين يعلم أن الفاعل هو فداء، وتتغير طريقته للتعامل مع الضجيج، وشأن الأم شأنه في ذلك، كأن ذكر فداء يسحرهما على عكس أخويها، فذكر اسم فداء يقتلهما فمهما كان وضع فداء هي فتاة مائعة يلزمها إيقاف عند حدها، وكلما ازداد انتقادا لها ازدادت أمها مراعاة لها. كان لا بد في النهاية من التسليم فحتى غرفتها كان مستواها يفوق كثيرا مستوى بقية البيت ففيها أثاث منزل كامل وعلى أحدث وأجمل طراز، بالإضافة إلى الفيديو والتلفزيون والمسجل والألعاب والملابس من كل شكل ولون، وإذا قارن أحدهم مستوى فداء بمستوى أحد أخويها توضح الفارق الشاسع في المستوى المعيشي وفي النهاية مستوى البيت عامة متوسط، إلا أن فداء ترفع المستوى حسب اختيارها، ورضيت بالعمل بقناعتها للتسلية وبدون هدف. أيامها في وظيفتها الجديدة معدودة مع أنها توظفت مند فترة وسمير مديرها في العمل يفتقدها دائما على غير قصد الدوام، بل بهدف عرض مفاتنها عليه.

مكتبها أشبه بالقبر بالنسبة لها، وكرسيها مملوء بالدبابيس، لا تطيق عليه جلوسا، فتبقى في الغرفة رائحة غادية إلى أن يأتي فنجان القهوة وتشعل لفافة فتهدأ لدقائق أمام سمير.

سمير مختلف عن عمار الذي يتملقها باستمرار، تعده أقل خبثا فهو يكتفي بنثر بعض ألفاظ الغزل بين الفينة والأخرى، ولا يندلق كالماء من وعاء مقلوب، بل يتحرز من الأثقال عليها، كما وأنه لا يكرر دعوته لها للخروج معه إلا إذا أظهرت تضايقها ومللها، في حين أنها لا تمانع ما دام الجو يتغير وتدخين السجائر يستمر، والمشارب تتلون، والفناجين تفرغ ثم تعبئ من جديد.

وفي كل مناسبة يصرح سمير أنه غارق بالحب حتى قمة رأسه غير مسدد لها مباشرة وهي تجلس معه وتنصت مبقية عليه وعلى ألفاظه وتحلق بعيدا عنه إلى حيث يوجد شخص ثالث فاز باهتمامها، طبيب شاب تعرفت عليه عندما كانت تجري فحوصا طبية، كانت عيناه تفضحان إعجابه، وحيث أنه يعرف سرها، كانت تتوق لأية كلمة إعجاب تخرج من فمه، فلا يصدر عنه إلا ما هو مدثر بكلماته المحفوظة.

_ لو كنت أملك الحق في تقويمك لما سمحت لك بالخروج بثوب فاضح كهذا، ولو كان في يدي أمرك لمحوت زينتك المبتذلة، إنك تسيئين إلى نفسك وخطواتك تمشي بك إلى الوقوع في الإشراك بسهولة.

ومن بين الكلمات القاسية تستشف بعض العاطفة، خصوصا عندما تأتي لزيارته وتلقى عنده بعض المرضى، فيؤجل معاينتهم لأجلها، ويحضها على الجلوس والبقاء، كأنها لا تعرف أن المرأة تظل فاكهة شهية، فعندما تبدي بعض الاهتمام تأسر، كأنها لا تدرك أن المرأة تسلب الألباب مهما كان وضعها، فالرجل حين تعرض عليه الشهوة يعجز عن رفضها في معظم الأحوال، فإن لم يكن باللمس بالجسد فبالنظر وكيف لا تدرك سلاحها، وإلا فما معنى لمساته اللطيفة وقبلاته التي يطبعها على جبينها وخديها، ولأن هدا السلاح لا ينفع مع أخويها كان ما كان.

عندما رجعت إلى البيت مرة في وضع مثير، بشعرها المنفوش وثوبها غير المرتب، وأحمر شفتيها الممسوح، ثارت ثائرة شقيقها الذي كان جالسا في الصالة، فشدها من يدها وصرخ فيها صرخة راعدة:

-أين كنت يا فاجرة؟

   راحت تتملص من قبضته وبانفعال صرخت:

-          وما دخلك أنت؟

شدها من شعرها مردفا:

- اخرسي! قولي أين كنت أو لأفعلن كذا.. وكذا..      

واندفعت الأم الحنون في محاولة لشده للوراء

دع أختك.. أتفهم؟

كان رده أن شدد قبضته، وراح بعنف يقول

- انطقي أين كنت، سأقضي عليك.                   

نثرت دموعها مع صرخات الألم، وامتزجت مع صرخات الأم المذعورة المستجدية أملا في أن يدعها وشأنها.

وعلى عكس أمها تمردت بضراوة.. مجيبة:

-          كنت مع شاب أحبه. نعم.. وسأظل معه، وسوف أفعل ما أريد.

التفت إلى أمه:

-          أسمعت؟. الفاجرة تذهب مع الشباب هنا وهناك، لسوف أقتلها، وعاجلها بصفعة قوية، ثم أرجع الوجه الذاهب بصفعة غادية.

لن تخرجي بعد اليوم من البيت نهائيا يا حقيرة.

الزلزلة قوضت مضجع أبيها النائم كالقتيل فأفاق مذعورا وخرج إلى الصالة صائحا:

-    لا شأن لك بابنتي يا منحط، إن تعرضت لها مرة أخرى سأخرجك من بيتي، ولقد أعذر من أنذر، تعالي إلي يا ابنتي ولا تحزني، أنا أخاف عليك أينما ذهبت فأنا واثق من أن ابنتي لن تفعل ما لا يليق واغرورقت عيناه بالدموع، بدموع الشك الواضح.

انهارت فداء، وغطت وجهها بيديها وراحت تصرخ وتندب قائلة:

كرهت هذا البيت كرهت حياتي، دعوني وشأني.. أرجوكم.

تقدمت منها الأم الباكية خوفا:

- هدئي من روعك، هدئي من روعك.. فإن ذلك يضر بصحتك.

ولكن الفتاة أفلتت بمهارة من بين يدي أمها وانطلقت إلى الشارع تلاحقها النداءات والاستجداءات والأقدام، وبين المحلات والمارة والسيارات استمرت في الركض قدر ما استطاعت حتى بدأ الشارع يدور ثم ينقلب رأسا على عقب، وأخر ما وقع عليه بصرها ورقة نعوة ملصوقة على جدار أحد المحلات.

عمار استعد لكل شيء بعدما اهترأ حذاءه من تنقله من مكان إلى مكان، بحثا عن بيت أو غرفة شاغرة، واستطاع أن يحصل مفتاحا من أحد أصدقائه بعد تقديم ضمانات، بذل قصارى جهده ليرتب الأمور قبل مجيء الموعد بعد أن تعهدت بالذهاب معه أينما شاء وراح قبل أيام من الموعد يخطط ويرسم، وفي أي وقت فراغ يعيد التجربة من جديد، كيف يشغلها بالحديث حتى يجدا نفسيهما أمام باب البيت صدفة؟ ويغرق في حلمه بالتتمة.

( أوه تصوري وصلنا إلى البيت، تعالي لنرتاح قليلا، تفضلي، لا تخافي، البيت في الطابق الأول، لا أحد سوف يزعجنا).

ويفتح الباب بخفة ومرح ثم يدعوها للدخول( تفضلي إلى الصالة، ماذا تشربين ؟ قهوة؟ ) يعود ويجلس بالقرب منها، وبصعوبة يخفي مخالبه ويشد حبال أعصابه( أوه ما هذا على خداك)؟ يسرق قبلة، يقرأ تعابيرها ورد فعلها، الضوء أخضر، يهجم هجمة واحدة.

سمير لم يطمح إلى هذا الحد بل يتخيل شعرها وقوامها وهي تروح وتجيء أمام عينيه ترسم له شيئا يجعله يشعر بالغيرة الإحباط إن سبقه أحد إليه أو سرقه منه، فالعمل غير محبب إليه في غيابها وفي حضورها لا يشغله عنها شاغل سوف يحاول حين يأتي في الموعد الذي ضربه.. لمس يدها بل سيحاول إقناعها بأن تبقى له، ولكن لماذا؟ كيف يقر قرارا نهائيا وكل شيء بالنسبة إليه غامض.

أما الطبيب الأقل تفكيرا بها، فبعد أن شعر بتأخرها وانقطاعها أقر بسحرها الخفي، ذلك الجاذب الذي يجعل طيفها يراوده بين الحين والآخر، فمرة ينتشي ومرة يتأسف، وأخرى يلوم فيها نفسه لأن خياله يسمح لها بالدخول، فأي شيء منها بالنسبة إليه مرفوض، حبها والزواج، وحتى المعاشرة العميقة، فقلبها مريض وهذا سبب كاف لإلغاء كل احتمال.

فتحت عينيها ببطء، وراحت تحاول التركيز أكثر، ظهر أولا وجه أمها:

-          فداء.. فداء! الحمد لك يا رب، يا حضرة الممرضة لقد أفاقت فداء.

هرعت الممرضة على الفور منبهة الأم بعدم رفع صوتها أثناء ذلك راحت تدور بعينيها في غرفة المشفى.. متمتمة:

-          أين أنا؟

مسحت الأم الواقفة أمام الأب المتلهف بيدها على جبين ابنتها مردفة:

-          ارتاحي لا تجهدي نفسك ولا تفكري بشيء

وحضر الطبيب، بعد فحصها والاستماع إلى ضربات القلب التفت إلى فداء قائلا:

-          أنت لا تعتنين بنفسك البتة، لقد نهيتك عن الانفعال عن المنبهات وعن الإثارة، فخالفت كل ذلك، وفوقها رائحتك مفعمة بالتبغ، أنا لا أقبل ذلك أتفهمين؟

ذهبت بوجهها بعيدا قائلة:

-          مللت هذه الحياة، أنا لا يمكن أن استمر بالعيش هكذا أموت ألف مرة في اليوم.

رد الطبيب بحزم:

-    هذا كلام سخيف ، ثم إن عملية صمام القلب سهلة جدا وناجحة تماما وبعدها ترجعين إلى طبيعتك.. يا مجنونة! لقد انتظرت طويلا ولم يبق إلا القليل، إني أحذرك بأن مشكلتك كانت بصمام واحد والآن امتد السوء ليشمل صمامين، عليك أن تكوني في أشد حالات الحذر، لا تبذلي أي جهد، التحرك يكون بالسيارة، واختصري أي تصرف زائد، ثم أريد هدوءا في تاما، داخليا وفي البيت، الحديث أيضا موجه لكم أنتم ، هدوء تام ولا منبهات البتة، وإلا ستكونون مسؤولين عن النتائج. هل هذا واضح؟

اندفعت الأم برجاء

-          دكتور.. أرجوك نريد إجراء العملية بسرعة لنرتاح.

رد قائلا:

-          إذا كنت مستعجلة فأنا أكثر عجلة منك، لكن كل شيء بأوانه ، وإذا التزمتم بالتعليمات فلن تخشوا شيئا إن شاء الله.. يا فداء انتبهي لنفسك.

وعادت إلى البيت الذي انقلب رأسا على عقب، عادت إلى هدوء بارد حتى التجمد، عادت إلى رتابة معينة وإلى حذر مزروع في كل شيء، وتدنت حدود الحرية إلى الصفر وتوسع الحظر حتى أحدق بكل جانب، احتملت وصبرت ، وكابرت ثم تحررت، لم تعد قابلة حتى للإنصات، فخرجت بكامل زينتها بعطر خانق لا تلوى على شيء، ثم اتجهت بعدها إلى عمار، الذي كان في انتظارها لا يزال مدت إليه يديها الناعمتين، وانصهرت معه في قبلة عنيفة ثم..

-    أعرف، أنك تتملق لتحصل ما تسعى إليه، لا بأس، أين تقترح أن نذهب؟ على الفور طبق عمار خطته، وفي الصالة، وقفت لحظة تفكر، ثم وبدون مقدمات، خلعت كل شيء، وكاد يغمى عليه لولا تمالكه لنفسه، وتقدم ولكن بمنتهى الهدوء، قاصدا التهام كل شيء أولا بأول، وثانية بثانية، ومع انطلاقته بدأت تتحدث:

-    حتى لا يكن الأمر مفاجئا، أخبرك بأنني مللت كل شيء كرهت كل شيء، حتى ما تفعله بي أحتقره، ولكنني لم أعد أطيق، أريد الاستسلام بسرعة إلى النهاية ليفعل بي من شاء ما شاء، وكل شيء أصبح أمامك معرى و ما عدا أمرا واحدا كنت أخفيه، وهو أنني مصابة بمرض في القلب، والمرض يلزمه علاج جراحي، ولكن أوانه لم يأتي بعد، ولكنني لست خائفة من أي خطر حتى ولو كان فيما تفعله الآن، فإذا حصل شيء، أرجو أن:

وصمتت تبحث عن المفترس، الذي كان يلتهمها قبل قليل، فإذا هو قد اختفى!

أما سمير فعندما ذهبت إليه، تلقفها بيديه:

-          أين كنت طوال تلك الفترة؟ ذبت شوقا إليك.

-          أراك واضحا هذه المرة –

-          في الحقيقة نعم وبكل ثقة.

باختصار

-          هل تحبني حقا؟

-          نعم وألف نعم...

-    إذن سأخبرك بما لم تعرف، كنت أبدو لك فتاة غنية الحال وأنني في الحقيقة متوسطة المستوى وأنا لست تلك الفتاة الرائعة، ه.. كم تجادلنا في ذلك وكنت توضح دهشتك من تشاؤمي وإنكاري لجمالي ورشاقتي، لأنك لم تعرف غير الظاهر، الظاهر لا يغني من الحق شيئا.

 رفع حاجبيه عن دهشة وقلة فهم، وكان مادا ذراعيه فاغرا فاه كأنه منطاد ما لبث أن بدأ بالتنفيس حيث أكملت:

-    أنا مريضة القلب، وأعرف أن الزواج غير مناسب لي، ولكن شهامتك ستدفعك للتقدم لطلب يدي، وأنا لا أريد منك مقدما ولا مؤخرا، ولا سكنا ولا أريد شيئا سواك.

بوجه مزرق، ولسان متلعثم حاول أن يتملص، فكان أن سقط من على الكرسي من ثقل المفاجأة، وراح يغفر فاه ثم يلملمه كالغريق.

-          يا فداء.. ليس الأمر كذلك، أنا لم أفكر.. في، في أن يصل الأمر إلى الزواج.

قاطعته:

-          إذن تريد علاقة عابرة، ليس لدي مانع.

أحس بأنه يلفظ أنفاسه.

-          لا.. ليس علاقة، بل صداقة.. صداقة أخوية! لا تتسرعي في الحكم على مشاعري.

فضحكت ضحكة صفراوية، وأردفت:

-          كنت تغازلني غزلا أخويا إذن.

-          أنا..متى؟! لم يحدث

قبيل انهيارها أسقطت نفسها في حضن الطبيب الشاب كان إرهاقها واضحا، أحاطت عنقه بذراعيها وبادلت بسمته بقبلة على وجنته وعقبت:

-    أنت الوحيد الذي كان يعرف عني كل شيء، فليس عندي إلا أن أبوح لك بحبي الصريح، أنا أحبك أنت، فأنت الوحيد الذي فكرت به وصدقت مشاعري نحوه.

اضطربت ابتسامته قبل أن ينوه إلى:

-    أنت تقولين ذلك لأنك بحاجة إلى شيء مفقود، هذا مرفوض، أنت تغشين نفسك، الصبر.. الصبر! فكل شيء سوف يتغير قريبا، ستعودين في أقرب وقت لتمثلي الصدارة بين الفتيات، وليتمناك كل الشباب.

التفتت إليه بسخرية:

-          وهل تعتقد أنت في أعماق ضميرك بأنني سأعود طبيعية، ألن تبقى مشاعرك تذكرك بأنني معلولة وغير طبيعية وأعيش بصمامات اصطناعية؟

تضاحك قائلا:

-          لم كل هذا التشاؤم ؟!

-          صحيح؟ فلم لا تقبل الحب الذي أعرضه عليك إذن؟ أتنكر أنك كنت تبادلني الإعجاب عبر نظراتك  كلامك قبلاتك الحانية اهتمامك بي وبزيارتي.

فراح يحاول إخفاء وجهه قبل أن يرد بحزم:

أنا؟؟ أنت مخطئة، أنا لم أفكر لحظة فيك، ولم يخطر ذلك ببالي مطلقا.!!

 

   القائمة الرئيسية  

 

   

        الصفحة الرئيسية     

 
 

من نحن     

 

مقالات ودراسات     

 

تقارير وتحقيقات     

 

 شخصية العدد     

 

 مرصد     

 

أدب     

 
 

فن     

 

 قوانين ووثائق     

 

 معاهدات     

 

الدساتير العربية     

 

 استشارات     

 

 أخبار من العالم     

 

 أخبار فلسطين     

 
 

 اللاعنف     

 
 

 مؤتمر المرأة والتقاليد     

 

 دليل الجمعيات الأهلية     

 

تسجيل العضوية

 

للاشتراك وتلقي نشرتنا الأسبوعية يرجى التسجيل:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © Thara. 2008. جميع الحقوق محفوظة