|
ومن الشعر ما قتل
الياس مروش
محمود عربي أصيل؛ نمى وترعرع بين الجمال وأشجار النخيل؛ كل المؤشرات كانت تدل على
أنه بعمر ستة عشر عاما سيتزوج ابنة عمه ويصبح خلفا لأبيه في مجالس الشيخ متعب.
محمود كانت أيامه عسل و تغيرت؛ تغيرت لما صار يعد نجوم السماء بدل القطيع.
المقربون من أصدقائه استبدلهم بالثريا ونجم سهيل. ليالي مضت وهو مستلق على كثبان
الرمال باحثا عنهم متحدثا إليهم؛ أما الدبان الأصغر والأكبر فكان يشيح بنظره عنهما
بهدوء حتى لايثير غضبهم.
وبليله ما فيها قمر جاءه أبوه مناديا:
- محمود تعال يا وليدي صار وقت نفرح بيك. كفاك تعاين في نجوم السما ديارنا على
الأرض مليئة بهم. شوف زينه بنت الشيخ متعب يشهد الله كلها ود وإلفة
وإسم على مسمى و زينه مثل القمر. مهرها مية ناقة . الشيخ متعب يقبل منا بنصفهم.
- دام الله عزك يا بوي أنت شهم وخيرة الرجال ما تنسى صغيرة ولا كبيرة لكن بالرغم من
أني أفترش الرمل وأنام في الفلا أختنق وأشعر بضيق كيف لو أنام على حصيرة واحدة مع
حرمة وجهال . أطلب منك العفو والسماح ---- والبركة في أخوتي كلهم يتزوجون و ذريتهم
تصل لبلاد السند والهند.
- يا وليدي أخاف تكون عليل. تعال نروح للشيخة حفصة
-
ما من فائدة أنا عليل ودواي موجود بعد
سبع
جبال وسبع
بحور,
صار وقت أروح أدور
عليه بنفسي. من الصبح باكر أريد أرحل .
- لكن قضية النوم والعيش والسفر,
كيف تحلها
يا وليدي وأنت في الطريق؟
- يقولون أن الميه
السودا
في بلاد الخواجات
يبيعوها
بسعر الذهب أريد أملي لي ضرب منها
وأبدله بالزاد والكسوة عند الحاجة .
بعد رحيل محمود كل مصائب الدهر حلت بالقبيلة . حرب الشيخ متعب حرب الشيخ خرفان و
أنكدهم حرب الخواجات حلت مثل ظلام الليل. الموت أصبح الضيف الدائم في كل بيت وجثث
الأطفال تجرها الكلاب الشاردة في البراري.
محمود بعد سنين طويلة في الغربة دون
خبر أوعلوم-
مثل ما غاب فجأة عاد. وقبل أن يقابل أحد حس بالتشاؤم
يتسرب لروحه دون أن يعرف مصدره.
مضارب القوم بعد أن كانت مثل المنارة أصبحت غارقة في ألظلمه . حتى كلاب الحي ما
كان لها خلق تعوي عند ما مر بها,
وهو في طريقه إلى البيت.
أبو محمود
إعتاد
يجلس بالعتمة في الحوش, لما سمع أن أحدهم يدخل الدار من غير استئذان , وجه رشاشه في
السما وأطلق النار, وبعدها صاح : من القادم؟
-
بالراحة يا بوي أنا محمود. تريد تقتلني.
-
محمود تعال يا وليدي
لا تخف أنا ضرير و عيوني ما عاد بيها نظر وماشوف الجمل لو يدخل بعيني أطخ بالهوا
يمكن حدا يخاف و يبتعد. تعال أريد اتلمس وجهك لأصدق اذاني هو أنت العائد بعد كل ها
لسنين
-
أنا
يابوي صدق وهاك بوسه لشواربك لكن قلي شنو الحصل لعيونك .
-
هي
الحرب شينه ومالها صديق الله يجازيهم على فعالهم لكن أنا مالي ومال الحرب يا وليدي
جونا السنّه قلنا اهلنا و حبابنا جونا الشيعة و الخاواجات و ذات قلنا أهلنا
وحبابنا. اما
يطخونا بالجامع وحنا نصلي صلاة الجمعة ويدعون أن فعالهم هذه جات بوحي من الخالق هذا
ما قادر افهمه ......
و
هالحين يا وليدي اتركنا من هالسالفه ما تجيب غير الهم تعال اجلس بقربي وحدثني عن
بلاد غربا
إللي
جيت منها؟
-
الحقيقة انهم , ما ينطقون الشهادة لكنهم مسلمون ويتبعون القرآن و مثل ما حدثنا
النبي عن امرأة دخلت نار جهنم بسب قطة جوعتها, والحديث الشريف يقول " لكم في كل
كبد رطبة
أجر"
. أيضا عندهم في الغرب إن
حصل وحدا اعتدى بالضرب علي حيوان أو جوعه, يرموه سنين في السجن. و
مثل
ما حدثنا القرآن عن اليتيم بالقول:
" فأما اليتيم فلا تقهر
وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث ".
يشهد الله
انهم
ملجأ
للفقير والمقطوع والمحتاج.
ونسائهم عن حق وحقيق شقائق الرجال.
ملِكهم
و رئيسهم
ممكن يكون
حرمه,
حتى سايق القطر حرمه وهم أشد الناس
اتقاء الله في
القوارير.
-
الله ينصرهم بالحق لكن قول يا
وليدي لما يجون ديارنا,
لويش ما يعاملونا مثل كلابهم؟
-
هم يحترمون من يحترم نفسه
و يذبلون اللقاليق مثل حكامنا
لكن
عيبهم أن
مصالح حكوماتهم فوق دينهم, وبالرغم من هذا يعرفون
أشياء كثيرة عنا. عندهم تسمية
خاصة بحاكمنا يسمونه أللئيم
المفيد " أللئيم
لشعبه والمفيد لهم " لكن هم ما يهموني أنا رجعت الحين وأريد أخلي
زينه شيخة القبيلة .
-
زينه,
طولة العمر لك
يا
وليدي,
جو
عمامها
من نجد وطخوها .
-
هي
زينه
ارتكبت
الفاحشة؟
-
لا يا
وليدي,
يشهد
الله
ان
زينه أشرف خلق الله,
لكن عميان
القلوب من قومها ظنوها من السنة وقتلوها.
راح
السنة وقتلوا ناس من الشيعة انتقاما لها , ومن يومها بدأ شلال دم ماله أخر....
بعد
ما سمع محمود كل هذا من أبيه, أغلق على نفسه غرفته وبكى بحسرة على مصاب أهله ومن
بين دموعه كتب هذه الأبيات:
ثكلتكم أمهاتكم
أبشر
أنتم أم بقر
جعلتم من الظلام إلهكم
وتبيدون ما
خلقه ربكم
من سنتكم وشيعتكم
ادعاءا منكم
بأن هذا
قربان لأسيادكم
لو عاد رسولنا الكريم
لصرخ: إني بريء منكم
أعطوني الحجر الأسود
لأبني
كعبة شريفة
بعيدا عنكم
محمود بعد أن أنهى قصيدته صارت عنده قناعه بأن الحياة في هذا البلد أصبحت عارا
عليه. أخذ بندقية الصيد التي حملها معه من الغربة هدية لوالده وضعها في فمه واطلق
النار على نفسه. الخردق طلع من قحف رأسه والدم طرطش لفوق ونزل على الأرض مثل المطر
ملون قصيدته بدمه.
عندما تأمل كبار القوم هذا المصاب , وقرأوا
ما كتبه محمود,
توصلوا إلى نتيجة أن محمود انتحر بسبب ركاكة قصيدته, وأضافوا إلى الأمثال
العربية مقولة جديدة: "ومن الشعر ما قتل "...
|