|
محمد عدنان سالم للثرى:
مصطلح الثقافة يفقد هويته ومعناه متى ارتدى الزي الرسمي
لن تكون المرأة غائبة عن نشاطنا في عام عاصمة الثقافة
تكرس دار الفكر نفسها كنموذج للمؤسسة الثقافية القادرة على التأثير في
الوعي العام،
والقادرة على أن تكون جزءاً من حركة ثقافية اجتماعية فاعلة، على الرغم من
أن لها خطاً مهنياً مستقراً لجهة ميلها الغالب نحو إصدار الكتب الإسلامية
والفقهية والتاريخية. وعلى رأس هذه الدار يقف الأستاذ محمد عدنان سالم الذي
دأب ومن خلال الفعاليات المختلفة والأسابيع الثقافية السنوية للدار على
التأكيد على أهمية الثقافة في خلق قيم حضارية ايجابية تتناسب مع الغرض الذي
قامت من أجله هذه المؤسسة. بمناسبة احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية
التقينا الأستاذ سالم وكان معه الحوار التالي.
بضعة شهور مرت على إطلاق
احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية 2008. هل أنتم راضون عن الفعاليات
التي شهدتها العاصمة حتى الآن. وهل الوتيرة التي تمشي عليها الاحتفالية
تتوافق مع هذه المناسبة؟.
نعم
وتيرة الاحتفال بتتويج دمشق عاصمة للثقافة العربية تتوافق تماماً مع واقع
الاسترخاء الثقافي الذي تمر به هذه الثقافة العربية فليست الثقافة تعبيراً
عن كائن مثالي طوباوي جامد ترنو إليه الأبصار، لترتقي إليه وتبلغ شأوه،
بقدر ما هي كائن حي يعتريه ما يعتري كل الكائنات الحية من أعراض الشباب
والشيخوخة، والصحة والمرض.
لكن هذه الوتيرة حتماً لا ترقى إلى الطموح الذي كان وراء مشروع عواصم
الثقافة العربية، فإنما طرأت فكرة تداول عاصمة الثقافة بين العواصم
العربية إدراكاً من منظميها لحالة التثاؤب التي انتابت ثقافة الأمة
العربية، رجاء أن تقوم كل عاصمة بدور فاعل في إيقاظها من سباتها،
وإطلاقها من قيودها التي كبلتها منذ زمن بعيد، فتكيفت معها متوهمة أنها
قدرها المحتوم، ورجاء أن تسهم في إعادة ذاكرتها التي طال أمد فقدانها لها،
لتعي ذاتها وتثق بقدراتها..
ونجاح العاصمة بأداء المهمة الثقافية المنوطة بها إنما يقاس بمعيارين:
أولهما مدى قدرتها على الدخول إلى ضمير المجتمع؛ في أعمق وأوسع شرائحه،
حتى لا يبقى إنسان في منـزله، أو طالب في مدرسته، أو عامل في مصنعه، أو
موظف في مكتبه، كبيراً كان أو صغيراً، غنياً أو فقيراً، إلا وقد أحس
بالمهمة التي تضطلع بها بلده، والرسالة التي تحملها.
وثانيهما:
مدى قدرتها على إحداث التغيير الاجتماعي الشامل لإحلال القيم الإيجابية
للثقافة محل قيمها السالبة. فثقافة كل أمة إنما تنوس بين هذين الحدين؛ الحد
الموجب إبان صعودها الحضاري، متمثلاً في قيم الفعالية والإبداع والتخطيط
والمبادرة والحرية والكرامة والواجب، والحد السالب الذي تنكفئ إليه إبان
تخلفها الحضاري متمثلاً في حالات الانفعال والتقليد والمحاكاة والعشوائية
والعبودية وطلب الحقوق بالمجان.
وحسب هذين المعيارين، فإني لا أرى جهود عاصمة الثقافة ترقى إلى مستوى
النجاح المطلوب، فلا هي استطاعت أن تدخل في ضمير المجتمع، ولا هي استطاعت
أن تحدث فيه أي تغيير. ولو أننا نزلنا إلى الشارع نسأل عينة عشوائية من
الناس عن هذه المناسبة لما وجدنا بين كل عشرة أشخاص واحداً قد علم بها، أما
إذا سألنا عما يمكن أن تكون قد أحدثت لديه من أثر وفي سلوكه من تغيير، فإن
نتيجة الاستطلاع ستكون كارثية.
ذكرتم في مقالة لكم نشرت بداية الجاري أن أعباء احتفالية دمشق عاصمة
للثقافة العربية 2008 يجب أن تقع على عاتق القطاعين الرسمي والأهلي، كي لا
توسم بثقافة اللون الواحد. هل تعتقد أن القطاع الأهلي قادر على تحقيق هذه
المعادلة؟
القطاع الأهلي الذي أفضل أن أسميه المجتمع، هو المعني الأول بالمناسبة في
نظري، فالثقافة مصطلح إذا أطلق فإنه يعني؛ ما يستقر في ضمير المجتمع من قيم
وعادات وتقاليد وردود أفعال وسلوكيات، والقطاع الرسمي جزء منه مساعد له،
وليس بديلاً عنه، بل إن مصطلح الثقافة يفقد هويته ومعناه متى ارتدى الزي
الرسمي، وحوَّل الثقافة إلى قرار سياسي.
وحسب فهمنا هذا لمصطلح الثقافة رأينا كيف استطاع مسلسل (باب الحارة) أن
يتوج دمشق عاصمة للثقافة العربية، قبل حلول موعد تتويجها، حين قدم للناس
صوراً حية من قيم المجتمع الدمشقي، كانت الذاكرة العربية كلها ما تزال
تحتفظ بجزء منها وتحن إليها، فتحلق الناس في طول الوطن العربي وعرضه حول
شاشات التلفاز يتحينون لحظة عرض حلقاته اليومية طوال شهر رمضان الماضي،
وحقق المسلسل من النجاح ما لم يقيض لأي عمل درامي آخر.
ومن المؤكد أن مسلسل باب الحارة منتَج أهلي، مما يؤكد قدرة هذا القطاع
الأهلي على الاضطلاع بدور فاعل لعاصمة الثقافة، لو انتدب لذلك، وأُشعر
بمسؤوليته عن الحدث، ولم يُكتف بإسناد دور المتفرج المتلقي إليه، ولم
يستبعد من دائرة الفعل.
ومع ذلك، وعلى الرغم من انعدام الدور الإيجابي الفاعل للمجتمع بمناسبة دمشق
عاصمة الثقافة، فإني أرى الفرصة لا تزال سانحة له كي يمارس دوره، فالمناسبة
مناسبته، والثقافة ثقافته، وزمام المبادرة ما يزال بيده؛ يستطيع بل يجب
عليه أن يسهم في التعبير عنها، ولن يمنعه من ذلك أحد، ما دام يقوم بعمله في
إطار القانون والنظام العام.
لديكم في الدار الفكر برامج وتحضيرات طموحة استعدادا للاحتفالية و من أجل
النهوض بواقع الكتاب والقراءة وتعميم الثقافة. ما هي الصعوبات التي تواجهكم
في هذا الإطار؟ وهل حصلتم على أية تسهيلات بهذه المناسبة. أم أنها مجرد
جهود فردية ونوايا صادقة؟
من المؤكد أن دار الفكر كغيرها من دور النشر الخاصة مؤسسة تجارية ربحية،
ذات رسالة ثقافية، وربما تميزت منذ تأسيسها قبل خمسين عاماً بحرصها على
الموازنة بين هدفيها التجاري والثقافي، إذ كانت تنظر إلى أن كلاً من
الهدفين يدعم الآخر، فنجاحها التجاري يدعم رسالتها الثقافية، ونجاحها
الثقافي يدعم هدفها التجاري..
لقد واجهت دار الفكر ما واجهته صناعة النشر عموماً خلال نصف القرن المنصرم
من القيود التي ضيقت الخناق عليها، وحرمتها من التعامل بالكتاب الجامعي
والمدرسي وحتى الكتاب المرجعي والمساعد، وقلصت الدولة دعمها للكتاب،
ومشترياتها للمكتبات العامة والمدرسية، ودخلت سوق المنافسة مدعومة بميزانية
الدولة، وفرضت رقابتها على الأفكار من دون أية معايير واضحة، فأضرت بحركة
القراءة التي لا تزدهر إلا في أجواء حرية التعبير، وفي مناخ التنوع والتعدد
والاختلاف والتعارض، وأصبح الناشر يصدر جديداً يبحث عن قارئ بعد أن كان
يستقبل قارئاً يبحث عن جديد.
ولم تكن برامج دار الفكر إلا محاولة منها لمعالجة الخلل الذي طرأ على سوق
الكتاب، بعد أن انحصر هذا السوق بالقارئ، وفاقم تدخل الدولة من أزمة العزوف
القرائي، فراحت دار الفكر تبتكر الأساليب للتشجيع على القراءة وإقامة
الندوات للتعريف بالكتاب، والترويج له، وإثارة الحراك الثقافي الذي يشكل
المناخ الملائم لانتعاش الكتاب والقراءة.
وجهود دار الفكر بمناسبة اختيار دمشق عاصمة للثقافة تندرج في الإطار ذاته،
إيماناً منها بأن ثقافة أي مجتمع إنما تنمو تزدهر ويبرز وجهها الإيجابي
المشرق كلما أمسكت بكلتى يديها بالكتاب، وتذبل وتتجعد بشرتها ويزول ألقها
وتذهب ريحها كلما تراخت أيديها عنه.
هي لا تواجه في سعيها هذا أي صعوبة غير صعوبة المهمة ذاتها التي تتصدى لها،
فإصلاح الخلل الثقافي مطلب أبعد منالاً من أن يرتجى بإصدار كتاب يصفه أو
تنظيم ندوة تبحث عن سبل معالجته، وقد يحتاج ذلك لأجيال.
ولا شك أن متطلبات الإصلاح الثقافي الفنية منها والمالية؛ أكبر من طاقة دار
للنشر تتصدى لها. فهو هدف تنموي يهم المجتمع بأسره، ولا بد أن تتضافر له
الجهود، وأن يحظى بالدعم من رجال المال والأعمال الذين سيكونون أول
المستفيدين من هذا الإصلاح الثقافي.
لقد أدرك بعض رجال الأعمال في دول الخليج أهمية الثقافة والدور الذي يجب أن
يؤدوه نحوها، فأقاموا مؤسسات ثقافية رائدة رفدت المجتمع العربي بعطاء ثقافي
وفير؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: مؤسسات البابطين في كل من الكويت
والسعودية، ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي.
وتكمن أهمية هذه المؤسسات في أنها عمل اجتماعي طوعي مدفوع بإيمان وقناعة
ذاتية وإحساس بالواجب يشكل هاجساً ودافعاً للعمل؛ تهون معه كل التضحيات؛
ونأمل أن يلتفت رجال الأعمال عندنا إلى هذا النوع من النشاط الثقافي الذي
يمليه عليهم الواجب.
أسوة بنشاطات اتحادكم المزمعة في الشهر الرابع. هل تعتقد أن هناك نشاطات
موازية لبقية الاتحادات والنقابات المعنية بالاحتفالية كنقابة الفنانين
واتحاد الصحافيين وونقابة الفنانين التشكيليين وغيرها؟
لا بد أن تكون لعدد من المؤسسات الاجتماعية والنقابات المهنية المعنية
برامجها الخاصة للقيام بدور فاعل، في هذه المناسبة، إذا هي أدركت واجبها
نحوها، ولم تنتظر دعوتها لأداء هذا الدور المنتظر، أو تكليفها به.
إن المبادرات الخاصة المنطلقة من الشعور الذاتي بالواجب هي التي تعطي لهذه
البرامج ألقها وحيويتها.
وعلى الرغم من ضرورة إجراء بعض التنسيق بين هذه المؤسسات والاتحادات
توحيداً للجهود وتجنباً للتعارض أو التكرار، فإني لا أعلم أن تنسيقاً كهذا
قد حصل.
استحضرتم عدد كبير من العناوين التي صدرت عن دار الفكر حول مدينة دمشق
وتاريخها و أعيانها بمناسبة الاحتفالية. هل يعني هذا أنكم تنظرون إلى
الاحتفالية على أنها خاصة بمدينة دمشق حصراً؟ أم تعتبرون أنها احتفالية
لسورية وللثقافة عموماً؟
حين
تكون دمشق عاصمة للثقافة العربية، فلا بد أن يكون لها نصيب وافر من النشاط
الثقافي، من دون أن تستأثر به ليتمحور حولها؛ وإن عليها -بوصفها عاصمة
للثقافة العربية – أن تقوم بدور شامل يغطي كل جوانبها، وتفاعلي يعطي ويأخذ
وينفتح على كل الأطراف والثقافات الأخرى.
لذلك اتخذت دار الفكر (دمشق حاضنة اللغة العربية) شعارها الذي
ستضطلع بخدمته لعام 2008، والذي ستتمحور حوله الكثير من نشاطاتها الثقافية
وإصداراتها.
وخاصة أسبوعها الثقافي الذي يحيط باليوم العالمي للكتاب 22-26/4/2008.
كيف يمكن لدمشق ألا تكون عاصمة ذكورية للثقافة؟ وما هو السبيل لمشاركة أكثر
فاعلية للمرأة فيها وهي التي تقوم على رأسها امرأة هي د. حنان قصاب حسن؟
تحرص دار الفكر على ألا يقتصر نشاطها على الذكور، فالمرأة حاضرة دائماً
وبكثافة؛ على المنصة، وبين الجمهور، وفي سائر إصدارات دار الفكر وأنشطتها
المنوعة.
وعام 2002 أقامت أسبوعاً ثقافياً تحت شعار (المرأة وتحولات عصر جديد)
حشدت له عدداً من المفكرات والمفكرين من سائر أنحاء الوطن العربي، كان من
أنجح أسابيعها الثقافية على الإطلاق.
ولن تكون المرأة غائبة عن نشاطنا في عام عاصمة الثقافة، ويمكن لأي زائر أن
يلاحظ زيادة نسبة الإناث على نسبة الذكور بين الجمهور المتابع لنشاطاتنا
الثقافية. وذلك تقديراً من الجمهور لبرامجنا التي تتميز بالتنوع والتعدد،
من حيث الموضوعات المطروحة، ومن حيث جنس المشاركين وجنسياتهم، وتوجهاتهم
الفكرية وتخصصاتهم العلمية.
حوار: يحيى الأوس
|