English Site

البحث في الموقع

   

    الشريط الإخباري  


مكانة المرأة العربية فى ظل الموروثات الاجتماعية والثقافية  والمرجعيات الدينية

ابتسام الكتبي
أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإمارات
مؤتمر المرأة والتقاليد

مر أكثر من قرن والمرأة العربية ما زالت تعيش في مجتمع أبوي ذكوري يكبلها بكثير من القيود التي يلتبس فيها الاجتماعي مع الديني،العرفي مع الشرعي، وما زالت ألفاظ أرض الحريم، الحرية، ترهق وعي الأنثى طفلة وصبية وعجوزاً ولها صور متعددة وأشكال مختلفة وإن كانت كلها تجتمع في عالم الممنوع والمحظور الذي يحيط بالمرأة في عالم يسمى (الحريم) والذي ما زال قوة هائلة تتحكم بالمجتمع العربي. ومنذ زمن بعيد لم يتغير الأمر كثيراً سواء كان الحريم حقيقياً في بعض الأماكن أو عقلياً فكرياً ونفسياً في أماكن أخرى.

وعلى الرغم من أن المرأة دخلت مضمار التعليم والعمل بشكل واسع خلال السنوات الخمسين الأخيرة إلا أنها ما زالت تعاني من التمييز القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في المجتمعات التقليدية. إذ يسود تصور تقليدي في التعامل مع المرأة وحقوقها، وينظر إليها على أنها أدنى من الرجل وأقل حقوقا منه حيث يستند ذلك إلى تراث كبير من العادات والتقاليد والأعراف. وبالرغم من أن المرأة العربية استطاعت الحصول على بعض الحقوق بعد صراع طويل خلال النصف الثاني من القرن الماضي ، إلا أنه لا تزال هناك مظاهر عنف وتمييز واضحين تجاهها.

ومع أن أوضاع المرأة العربية اختلفت اليوم جذرياً عما كانت عليه لعقود خلت حيث كان المنزل هو كل العالم الذي تعرفه وترث أدوارها الاجتماعية فيه عن أمها. ليس لها أدنى شأن بالحياة العامة التي هي أمرٌ مقصورٌ على الرجل وحده.  فالتطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي لحقت بالمجتمعات العربية أدت  إلى حدوث تقدم كبير في وضع المرأة من حيث التعليم والعمل بل ومشاركتها إلى حد ما فى الحياة العامة. ولعل في المؤشرات الرقمية خير دلالة على ذلك. كما حدث أيضاً تراجع جزئي لسطوة الموروثات الثقافية والاجتماعية التي كانت تحد من تطور دورها ومكانتها الاجتماعية. فطرقت مجالات جديدة كانت حكراً على الرجال فقط وأدى ذلك إلى تغير صورتها الاجتماعية و كذلك إلى حد ما الاتجاهات والأنساق القيمية الموروثة.

وبالرغم من هذا التقدم لا تزال هناك فجوة بين التغير على الصعيد المادي والتغير الثقافي. حقيقةً أن التغير لامس الثقافة والعادات لكنه لم يكن جوهرياً بل كان أقرب إلى التغير الشكلي مع استمرار بقايا ثقافة وتقاليد العشيرة والقبيلة.  وقد أدى ذلك إلى تعارض نظام القيم التقليدي مع الآخر الحديث في الوظائف والأدوار.  فبالإضافة إلى كونها إمرأة عاملة  هي أيضاً  تقوم بأعمال المرأة التقليدية كزوجة وربة بيت وأم. وهذا يجعل المرأة العربية تخوض صراعاً متعدد الجوانب ما بين القيم الموروثة والحديثة، وكذلك ما بين الدور التقليدي داخل الأسرة والحديث خارجها.

المرأة في المنظور التقليدي:

تختزل النظرة التقليدية المرأة إلى جسد و أنوثة أو فسيولوجيا تتحكم بمصيرها. كما تنظر الثقافة التقليدية  للمرأة بوصفها رمزاً للإغواء والإغراء ، وهى عورة، إنها رمز لشرف الجماعة ومن ثم توجب على الرجال حراسة سلوكها الأخلاقي ومراقبتها، وإخضاعها للوصاية الذكورية الأبدية.    

ويظل الهاجس المسيطر على أسرة الفتاة هو صون شرفها وهذا لا يكون إلا عن طريق الزواج فالمرأة مهما تعلمت مصيرها الزواج الذي هو سترة لها إلى جانب أنه ضمان اجتماعي واقتصادي. والمرأة غير المتزوجة تمثل عبئاً على أهلها فالزواج هو معيار النجاح النسائي. والتراث العربي يرفع من منزلة الرجل بمقدار دفاعه عن شرفه.

 

ويعد قتل النساء على خلفية الشرف من  الظواهر البارزة في المجتمع العربي ، فالقتل على خلفية الشرف يعتبر جريمة وهي من الظواهر التي تهدد تماسك المجتمع وتقف عائقا في طريق تقدم المرأة في المجتمع.  والتعريف الاجتماعي المتعارف عليه تقليديا لمفهوم القتل على خلفية الشرف يتعلق فقط بالمرأة، فالمرأة التي تقيم علاقة مع رجل خارج مؤسسة الزواج يبرر قتلها حفاظا على شرف العائلة. فالشرف هو أحد القيم الاجتماعية المحورية التي تؤكد أبوية المجتمع العربي ودونية المرأة فيه. ومن هنا نجد الازدواجية في مفهوم الشرف، حيث تغييب المعاني السامية للشرف كالعزة والعلو ويقصر المفهوم على جسد المرأة. حيث يصبح شرف المرأة ملكاً للرجل ولا تلعب المرأة فيه إلا دور الوسيط الصامت، فيصبح الرجل مسؤولاً عن سلوك المرأة واحتشامها. فالتقاليد والعادات الاجتماعية أدت إلى عزل المرأة جسديا ومكانيا في المنزل وفرض عليها الاحتشام من أجل حماية شرف الرجل، فالمرأة الشريفة امتداد للرجل الشريف. ومن هنا يكون جسد المرأة هو المحور الرئيسي في هذه المعادلة للحفاظ على الشرف لأنه وسيلة لإنجاب أعضاء جدد للأسرة واستمراريتها. فاعتبر جسد المرأة ملكا لزوجها والحفاظ عليه هو الوسيلة الوحيدة لضمان عدم اختراق الحدود بين العائلات، والحفاظ على الأسرة كوحدة للتكوين الاجتماعي، فالأسرة عامة والرجال خاصة هم المسؤولون عن شرف المرأة.

وما زال الموروث الثقافي المعيار الأساس الذي يحتكم إليه المجتمع في موضوع القتل على خلفية "الشرف".  فالقتل على خلفية "الشرف " ما زال جزءاً من الموروث الثقافي، ويشكل وظيفة اجتماعية تعكس الهيمنة الذكورية على المرأة المطالبة بالحفاظ على شرفها الذي هو شرف الرجل، وأي مساس بهذا الشرف يفقد المرأة حياتها، حيث أن قتلها يمسح العار الذي يمس الرجل، ويعود ذلك إلى أسباب اجتماعية تتعلق بسمعة الأسرة ، فالأسرة العربية هي أسرة أبوية تعتمد على النسب الأبوي، والشرف في الأسرة العربية يشكل قيمة للرقابة الاجتماعية ويعطي الشرعية لبنية الأسرة الهرمية الأبوية التي تهتم بالحفاظ على النسب الأبوي ، لذلك يكتسب جسد المرأة وضعية خاصة في النظام القيمي التقليدي الذكوري.

وقد بقيت العلاقات داخل الأسرة العربية التي نشأت تاريخيا في ظل سيادة النظام الأبوي محكومة بسلطة الأب على الأبناء والزوج على الزوجة. ويمكن القول أن التغييرات التي دخلت على هيكلها بقيت سطحية ولم تمس مضمون الأسرة وجوهرها. وهي إن أثرت على شكلها ودورها الاجتماعي والثقافي، لم تؤثر على نوعية العلاقات داخلها. لقد كان التقدم على صعيد علاقات الجنسين في العديد من معالمه لصالح الرجل الذي فُتحت أمامه إمكانات جديدة وحصل على حريات لم يُسمح بها للنساء. مما كرس سيطرته على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والسياسية. في الوقت عينه، لم تحظ المرأة بقدرٍ كافٍ من التعليم والعمل المهني الذي يسمح لها بتعديل موازين القوى بشكل يتيح تكافؤ أكثر. وهي إن أفلحت بعمل مأجور بدواعي الأزمة الاقتصادية لا تجد مشاركة لها من الرجل بالأعمال المنزلية. ولا يسمح لها العمل هذا بتحقيق نفسها بقدر ما هو لمساعدة الأسرة على تحسين مستوى معيشتها.

التنشئة الاجتماعية:

تقوم بالتنشئة الاجتماعية عدة مؤسسات كالمدارس، ووسائل الاتصال، وجماعات الرفاق، وتؤدي الأسرة دوراً أهم من الدور الذي تقوم به هذه المؤسسات، إذ يبدأ فيها التفاعل الاجتماعي، وتعلم الأنماط المناسبة للأعمار المختلفة للأنثى والذكر. وفي ظل نظام قيمي أبوي خلال سنوات الطفولة، تنشأ المرأة على افتراض أن الهدف الأساسي من حياتها هو أن تصبح زوجة وأم، وأن مجال عملها هو البيت، وهذا يحدد السلوك المتوقع منها لكي تقوم بهذا الدور، ويتم تعزيز هذا الدور عن طريق الأنشطة اليومية المسموحة لها من خلال الأدوار الجندرية المتوقعة، وتتعلم المرأة أنها ليست صاحبة القرار في شؤون حياتها، وأنها لا تملك حرية الحركة خارج البيت، بحيث تصبح تابعة للأب، والأخ، والزوج، والابن في مراحل حياتها المختلفة.

 

          ومن خلال عملية التنشئة هذه يتم ترسيخ سمات معينة للرجل وأخرى مختلفة للمرأة، فتتم تنشئة الرجل والمرأة على أن الرجل يتحلى بالعقلانية والموضوعية، والقدرة على اتخاذ القرار، بينما تتحلى المرأة بسمات عديدة منها: العاطفة، والحنان، والأنوثة، والاهتمام بالمظاهر ، وغيرها. والعكس هو الصحيح فيما يتعلق بتنشئة الأطفال الذكور، فمنذ المراحل المبكرة تتم تنشئتهم على أن دورهم هو في خارج البيت، وتصبح الحياة العامة، كالتعليم، والعمل، والسياسة، وتحمل مسؤولية العائلة مركز إهتمام الذكر.

ويعتبر موضوع التنشئة الاجتماعية هام وحساس في نظرة المجتمع لموقع المرأة من القوة التي تكمن في القدرة على صنع القرار والتأثير على الآخرين، ولذلك فالتوقعات والسلوكيات المتعلقة بالقوة، ومحاولة الحصول عليها وممارستها، منحصرة في الرجال وهي مرتبطة بمجموعة من الاتجاهات المجتمعية التي من أهمها ما يلي:

  • الاتجاهات السلبية نحو القوة وحساسية المجتمع لهذا المفهوم، وبخاصة عند ربطه بالمرأة، فأية سلوكيات لها علاقة بالحصول على القوة أو ممارستها تعتبر خارجة عن إطار الأنثوية، فالنظرة العامة للمرأة هي كتابعة للرجل، ومكانتها الاجتماعية تعتبر متدنية بالنسبة لمكانة الرجل ، وإن السلوكيات المتعلقة بالقوة تعتبر من مظاهر الرجولة، وأية محاولات من المرأة لممارسة القوة تعد تمردا على التوقعات الاجتماعية التي تعتبر أنه من غير اللائق للمرأة بمثل هذه السلوكيات، مما يضعها في موضع النقد والرفض من المجتمع، ويؤدي ذلك إلى الحد من محاولاتها للقيام بهذه السلوكيات.
  • عدم التوازن في توزيع القوة لدى الجنسين راجع للنظرة السلبية للمرأة تجاه قدراتها، وبخاصة فيما يتعلق بالقوة مما يحد من محاولاتها للحصول على القوة أو ممارستها، ويعود ذلك إلى الأدوار الاجتماعية التي حددت لها من خلال عملية التنشئة الاجتماعية. تلك الأدوار التي تتصف بإنكار الذات، وتلقي القرارات، بينما تنشئة الرجل تؤهله للقيادة، واتخاذ القرارات مما يجعل من الصعب للمرأة الإيمان بقدراتها، وبخاصة فيما يتعلق بالخصائص المنوطة بدور الرجل. وذلك واضح عند المرأة في نظرتها السلبية لقدرتها، وتنشئتها على المغالاة في قدرات الرجل، وبخاصة المتعلقة بالقوة، مما يجعلها تتفادى المواقف التي تحتاج فيها إلى هذه القدرات.
  • سيطرة الرجل على المصادر التي تساعد على بناء القوة لدى الفرد، فمن أهم المصادر التي أجمع عليها الباحثون بكونها من مصادر القوة هي: المصادر الاقتصادية، والمراكز الاجتماعية، والكفاءة العلمية، والخبرة، إلى جانب السمات والخصائص الشخصية التي يوحى من خلالها للآخرين بقوة الشخص وقدرته على القيادة. وإن الاتجاهات الاجتماعية والتفاوت الناتج في تنشئة الذكور والإناث، تؤهل الذكور للسيطرة على هذه المصادر، وتتيح لهم الفرصة في الوصول إلى مراكز القوة، وتعزيز هذه الاتجاهات والأدوار الاجتماعية.

إن سيطرة الرجل على مصادر القوة، وبالتالي حصوله على المراكز الاجتماعية وتعزيز قوته، تجعل من الصعب على المرأة اختراق المستويات، والوصول إلى المراكز العليا، ومواجهة الاتجاهات السلبية بما تملكه من مصادر، فمثلاً إذا كانت زيادة الكفاءة العلمية والقدرة على اتخاذ القرار من أهم المصادر التي اعتمدت عليها المرأة لتحسين وضعها، فمن المتوقع ان تؤدي زيادة القدرة والكفاءة إلى حصول المرأة على مكانة اجتماعية تتيح لها الفرصة لاتخاذ القرارات والمشاركة في سن القوانين، ولكن وجودها في المجتمع البطريركي والهيراركي يجعل من الصعب عليها اتخاذ القرارات المستقلة، وبخاصة في المستويات التي توجد فيها، والارتقاء للمستويات العليا التي يتم فيها سن القوانين.

 وإذا كان الاختلاف البيولوجي بين الجنسين،  يعتبر سنداً مبرراً للاختلافات القائمة بين الأفراد داخل المجتمع، فإن الأبحاث الاجتماعية المعاصرة نظرت إلى الفروق بين الذكورة والأنوثة باعتبارها في الجزء الأكبر منها سمات ثقافية، واعتبرتها نتيجة من نتائج عملية تمفصل مكونات النظام الاجتماعي. فالنظام الاجتماعي هو الذي يرتب المكانة والوظائف، وينتج التقسيم الجنسي للعمل، التقسيم الذي يوزع الأدوار، ثم يبني القواعد والقيم التي تسند وتعزز تصوراً معيناً لطبيعة هذه الأدوار، لتتم بعد ذلك عملية تعميم وإعادة إنتاج نمط الأدوار، المنظور إليها باعتبارها الملمح المعبر تماماً عن نظام الأشياء في العالم. وتساهم في عملية التنميط المذكور الأساطير والتمثلات والرموز البانية للتصورات والقواعد،  لنصبح بعد ذلك أمام نظام رمزي صانع لقيم بعينها. ضمن هذا السياق، تمت عملية تحويل الحيز العام إلى فضاء للرجال، وتم إعلان أن البيت هو المكان المناسب النساء.

و قد أدى التلاقي بين القيم والتقاليد الاجتماعية ومكونات الثقافة في المجتمعات العربية إلى بلورة رؤية معينة للمرأة ودورها في هذه المجتمعات، وهي رؤية تركز على الجانب الأنثوي الفسيولوجي للمرأة وما يترتب على ذلك من تحديد لدور المرأة بما يتلاءم ويلائم فسيولوجيا المرأة بالمفهوم السائد في هذه المجتمعات،وقد انعكس هذا في نوعية التعليم الذي يرى المجتمع أنه هو ما يجب أن تتلقاه المرأة، ونوعية الوظائف التي تتولاها، بل وفي النظر إلى طبيعة عمل المرأة باعتباره أمرًا هامشيًا، وليس ضروريًا في معظم الأحوال وهو لا يمثل أمرًا جوهريًا بالنسبة للمجتمع، بل هو أمر مؤقت يرتبط أساسًا بأولوية دور المرأة كزوجة وأم مكانها الطبيعي هو البيت،وامتد هذا التصور إلى مدى القبول بدور للمرأة في نطاق الحياة العامة.

الموروث الديني:

في ظل المجتمع الذكوري تحتل المرأة عادة موضعًا أدنى من الرجل، وهذه ظاهرة اجتماعية عامة، ترجع إلى ظروف تاريخية مشتركة عاشتها الإنسانية جمعاء، إلا أن الموقف في المجتمعات العربية، يزداد تعقيدًا، حيث تتدعم هذه الوضعية بأسس اجتماعية ودينية تصل إلى حد التقديس وتدخل في إطار الحلال والحرام، وتأويلات وتفسيرات معينة لما هو حلال وما هو حرام، الأمر الذي يجعل وضعية المرأة في هذه المجتمعات لا تتساوى مع الرجل، وهو ما يمثل عائقًا آخر أمام انطلاقها نحو المشاركة العامة في هذه المجتمعات.

وقد لعبت التمثلات الثقافية المستندة إلى قيم ذات مرجعيات مختلفة دوراً مركزياً في تركيب نمط العلاقة بين الجنسين في المجتمع العربي، حيث تم إنتاج الأنساق الثقافية في التاريخ العربي إستناداً إلى  مرجعية الموروث الديني التراثي.

إن المناداة بمساواة المرأة مع الرجل هو حق أصيل إنسانياً واجتماعياً، فالإسلام قد أقر هذه الحقوق بالنسبة للمرأة، ولكن المشكلة في الخصوصية الإسلامية هي كيفية التعامل مع التراث والأعراف والتقاليد، والتي تشمل في طياتها الجوانب الفقهية، فالنصوص العامة والقطعية في القرآن والسنة تقيم حق المساواة بين الرجل والمرأة، باعتباره حقًا أصيلاً لا يمكن إنكاره، أما الانتقاص منه فلا يتلاءم مع نصوص الشريعة الإسلامية التي أقرت حقوق المرأة.

ففي قضية المرأة لا توجد مشكلة مع الخصوصية الإسلامية القائمة على النصوص الشرعية العامة والقطعية، إذ توضح هذه النصوص حقوق المرأة كاملة، ولكن المشكلة تكمن في التعامل مع هذه النصوص من قبل البعض، فمعظم النصوص التي تعرضت للأحكام الجزئية والتفصيلية ظنية الدلالة أي أن الشارع صاغها صياغة تتسع لأكثر من فهم وأكثر من تفسير، مما أدى إلى وجود مدارس متنوعة، ومشارب متعددة في الفقه الإسلامي ، أي أنها تعرضت لسوء الفهم والخطأ في التأويل من جانب بعض الآراء التي تأثرت بواقع اجتماعي معين، وهو ما يلقي ظلالاً من الشك على تلك الخصوصية، وكان لسوء هذا الفهم والتأويل أثره في إخفاء مفهوم المساواة الأصيلة بين الرجل والمرأة في النصوص الشرعية، وإظهار الخلافات الفقهية في قضايا نوعية، مثل قضية الحجاب وقضية أهلية المرأة لتولي الأعمال العامة والخاصة في إظهار المصلحة العامة، ومفهوم قوامة الرجل الأسرة، وما إلى ذلك.

لجأت آليات وضع القواعد الفقهية الناشئة إلى الآيات المشخصة لبعض الأحكام الفرعية الجزئية في موضوع علاقة المرأة بالرجل وموضوع الأسرة ، متخلية في الوقت نفسه عن الآيات العامة المقرة بالمساواة. وتم تحول محتوى السور التي تقر بالقوامة والولاية للرجل، ومبدأ نصف الميراث للبنت إلى سور كلية، رغم أنها ليست كذلك في منطوقها، ورغم أن محتواها لا يتعلق إلا بقضايا فرعية. وتم إسقاطها  على مختلف الأوضاع وعلى نمط علاقة المرأة بالرجل بصورة عامة، لمصلحة ترسيخ قيم معينة. بل تمت تزكية السور الفرعية بالسنة النبوية، حيث استعمل سجل كبير من الأحاديث المناهضة للمرأة، فتحولت " الصورة الايجابية للمساواة وللتكريم القرآني للإنسان، إلى صور تقوم على التمييز بين الكامل والناقص، الأصل والفرع ، البالغ والقاصر، المقوَّم والأعوج. وقد تناسلت الأحاديث في هذا الباب لصعوبة المس بالقرآن، فتم تركيب مجموع هائل من الأحاديث المنسوبة للرسول بهدف تعميم جملة من الأحكام، ونسيان السور الايجابية.

واستعمل في تكريس الدونية كثير من العنف المادي والرمزي ، وفي سجل الأحاديث المركبة بهدف تسويغ التراتبية الاجتماعية، نجد أنفسنا أمام حكايات وأساطير وتمثلات ومواقف تبرز الدور  الكبير الذي مارسته التصورات المكرسة والمقننة للتراتب، وتحويله إلى واقع فعلي وقاعدة فقهية ثم حالة ذهنيه، وهو ما يزيد التراتب المزكى فقهياً رسوخاً وصلابة. ويمكن القول فى هذا الصدد بأن المنظور الذكوري في تاريخ المجتمعات الإسلامية اخترق مبدأ التكريم الإلهي للإنسان، وركب كل ما يتيح إمكانية تعزيز التمايز. بل إنه اتجه لصناعة أساطير عديدة محاولاً إبراز صلاحية هذا التصور ومنحه صيغة الإطلاق، وهكذا ألحقت اللعنة الأبدية بجنس النساء، وحررت عشرات الأحاديث بهدف شيطنة المرأة وتحويلها إلى شر مستطير وفتنة ماحقة.

أنتجت التأويلات التي بنت رؤية الإسلام للمرأة سقفاً من التركيب المرتب لنظام من العلاقة بين الجنسين يضع المرأة في مرتبة أدنى من مراتب الرجل داخل المجتمع. وعمل الفقه على وضع عناصر هذه الرؤية في قواعد مؤطرة للأعمال والسلوكيات المحددة لنوعية العلاقات القائمة بين الجنسين.

ويحتل وضع القواعد الفقهية المتعلقة بأوضاع النساء كما تبلور في المذاهب الأربعة – رغم الاختلافات القائمة بينها، مكانة استراتيجية في الثقافة الإسلامية المسوغة لتراتبية العلاقة بين النساء والرجال. فقد بنت جهود التقنين الفقهي ما أضفى على نظام المجتمع طابعاً مشروعاً ومطابقاً لروح رسالة الإسلام.

 وقد ترسخت شرعية التأويلات الفقهية بفعل السلطة المعرفية التي كان يتمتع بها الفقهاء، وبحكم انخراطهم في دواليب السلطة، حيث تم اللجوء إليهم ليس فقط في موضوع ترتيب ملف الأحوال الشخصية وعلاقة الرجال بالنساء داخل الأسرة والمجتمع والدولة، بل في مختلف شؤون المجتمع والحياة. فاستخدم الفقه الإسلامي في عمليات التشريع معطيات الكتاب والسنة، لكنه استعمل قبل ذلك وبعده ما أعتبر أنه مقتضيات المجتمع الذي يتجه للتقنين لأحواله الشخصية وعلاقاته البينية، علاقات الرجال بالنساء في الزواج والطلاق والتعدد والميراث. وفي هذا العملية عكست البينة الفقهية جملة من القواعد المناسبة لسياق تاريخي معرفي محدد.

إن أحكام الفقه الإسلامي في موضوع المرأة موصولة بأوضاع المجتمع الإسلامي في أزمنة تبلور هذه الأحكام، وهي تتموقع في قلبه لترجح أحكاماً على حساب أخرى. وقد تم العمل على تركيب المنجز الفقهي في تنوعه، بهدف حماية أخلاق التراتب وقواعد التمييز بين المرأة والرجل . وقد كان كبار الفقهاء ينطلقون في بناء أحكامهم حسب ما تقتضيه الملابسات السياسية والإجتماعية المواكبة لنشوء هذه الأحكام والقواعد.

 

واعتمدت استراتيجية التأويل الفقهي المشرِّعة لمبدأ دونية المرأة على مبدأين اثنين : إغفال الآيات القرآنية الكلية المقرة بالمساواة والتكريم، أو توظيفها لتبرير الآيات الفرعية، ضمن حجج التسويغ الموظَّف في عمليات التقنين، المقرة بالتراتبية، والملوحة في ذات الوقت بمبدأ المساواة ، وهو ما يحمل تناقضاً مكشوفاً ومستوعَباً في الوقت نفسه، ضمن آليات في الإثبات لا تعنى بتماسك الخطاب، بقدر ما تسعى إلى بلوغ مقصد بعينه، مقصد حماية التماسك المطابق للفطرة بترسيخ ثقافة دونية المرأة.

وكانت أولوية الرجل حاضرة مرجحة دوماً في المباحث الفقهية المتصلة بالمرأة، وهي أولوية حصنت نفسها بقراءة ذكورية للقرآن، وتكشف معطيات كتب الزواج شبكة المفاهيم والتصورات ومختلف أنماط الحجاج الموظف لمنح الرجل تزكية تهبة مكانة أعلى من مكانة المرأة داخل المجتمع. فالرجل هو الأب أو الزوج أو الإبن أو أي ذكر من عصبة المرأة. وقد ظل الفقهاء أوفياء لهذه المرجعية التي بنت أحكاما عديدة في مجالات المجتمع المختلفة، مما ضاعف وعقَّد إمكانية التفكير في بناء ما يسمح بتحقيق العدل الممكن في علاقاتها بالرجل. وتجلى ذلك في نظام المواريث والفرائض التي تخص المرأة، وهي قضية أشد تعقيداً، لأنها قامت على تغيير رؤية المجتمع لها، ويعتبر هذا الأمر علامة ايجابية منحت المرأة مكانة في مجتمعها، وذلك بما يرجع إليها من ميراث، حيث أصبحت فرداً يشارك الرجل في الثروة، ولا يخفى ما يستتبع ذلك من تقليص لسلطة الرجل وقوامته عليها مبدئيا. غير أن المجتمع رفض مثل هذه الأحكام فضغط على الفقيه وكلفه مهمة البحث عن الحل الذي يوفق بين طرفي نقيض، أي بين أن يستبعد التصادم مع الفرائض التي نزلت أحكامها صريحة لا تقبل تأويلا، ويعرقل في الوقت نفسه سبل التعامل معها ببناء حلول وقواعد من قبيل الحد من حرية المرأة في تصرفها في مالها، ويتضح ذلك في قولهم بولاية الأب على ابنته البكر ولاية مطلقة يتصرف في مالها تصرفه في ماله.(سحنون، المدونة الكبرى، ج 3، ص 222)، وإن سمحوا للمرأة المتزوجة أن تتصرف في ثلث مالها، فقد اشترط ابن القاسم " إن عُلِم صلاحها" (نفسه، ص 35).

 

وقد سيطرت مرجعية الولاية والقوامة على سير تفكير الفقهاء والمفسرين في مبحث من أحرج المباحث، لأنه حاضر في اليومي داخل المجتمعات الإسلامية، وذلك لاقترانه بمفهوم الملكية، وإن كان مالك يعتبره ملكية أدبية، والمقصود بذلك أحكام الفراق التي يتصرف فيها الزوج وحده، تصرفه في سائر أملاكه. فاقتضى ذلك من العلماء أن يوجدوا تعليلا فقهياً لجميع الأحوال التي تنتقل فيها المرأة من ملكية الزوج إلى ملكية الولي أو إلى زوج غيره.

فاندرج اهتمام الفقهاء بالمرأة من جهة اعتبارها كائنا يرمز إلى شرف العشيرة ومؤتمنا على حفظ نسل الزوج. ويجب عدم نسيان أن المرأة أيضاً كانت في مدونات الفقه غنماً للرجل فيما ملكت يمينه بالسبي أو الشراء، وله أن يحبسه أو يفرط فيه عن طريق البيع.

إن المرأة على هذا الأساس تستمد هويتها وإنسانيتها بنسبتها إلى الرجل الولي والزوج والسيد، ولا تكتسب شرعية في وجودها في المجتمع، إلا إذا حماها الرجل. ونتيجة لذلك يمكن نعتها بالكائن المسخر للرجل. لقد غاب في أغلب أحكام الفقه الإسلامي النظر إليها باعتبارها إنساناً مستقلاً بكيانه. ولم ير في ذلك الفقهاء، ولا المجتمع ولا حتى النساء أنفسهن تفريطاً في كيانهن الإنساني. بل صارت المرأة نفسها حامية لحقوق القوامة، وحارسة لكل دخيل محتمل يمكن أن يحدث خللاً في هذه الرؤية الراعية لتماسك اجتماعي لم ينظر إليه باعتباره مرحلة في تاريخ قابل للتغير، بل تم التعامل معه باعتباره نظاما خالداً .

 

يتبين مما سبق اقتران مفهومي القوامة والولاية بمفهوم الملكية، حيث تنقل الزوجة وهي موضوع للتبادل، تنقل من ملكية الزوج إلى ملكية الولي إلى زوج آخر. إضافة إلى ذلك ترمز المرأة في الأدبيات الفقهية التي تعلق كل آيات المساواة والتكريم الصريحة والواضحة، لتستحضر في مختلف صور التشريع واقع العشيرة الذي يشكل نقطة انطلاق المشرع، فتصبح المرأة أولاً وقبل شيء مؤتمنة على حفظ النسل.

إذاً فصورة المرأة العربية في الموروث الثقافي الديني قد اتخذت ملامح معينة تتسم بالدونية، حيث انتصر التأويل الديني الأكثر قرباً من متطلبات النظام الاجتماعي المهيمن، نظام العشيرة التي ترتب العلاقات بين مكوناتها وفقاً لقيم تريد حراسة التراتب والتمايز الإجتماعيين في مختلف مستوياتهما.

يعكس ما سبق من نماذج مستنبطة من أحكام تتعلق بالنساء، وفاء الفقهاء للأعراف التي تحكمت في حركة مجتمعات كانت تبحث عن انسجام يضمن الإعتدال في ديناميتها الإجتماعية، ولأن دينامية التحول الجارية اليوم في المجتمعات العربية المعاصرة هي غير حركة المجتمعات العربية في زمن تشييد المذاهب الفقهية، تصبح اجتهادات السلف غير مناسبة للتحولات الحاصلة والجارية بوتائر مختلفة في الواقع الاجتماعي. ومن ثم يجب العمل مجدداً على فتح باب الإجتهاد على مصراعيه والعمل على مزيد من استبطان النص القرآن لإنتاج مدونات فقهية قادرة على استيعاب روح التغير والتغيير الحاصلة في المجتمعات العربية. فقد منح القرآن الإنسان (المرأة والرجل) مكانة عليا في الأرض . وإذا كان الفقهاء في القديم أوفياء إلى أعرافهم، فإن هذه الأعراف صارت الآن قاصرة عن الاستجابة لحاجيات عصرنا ومجتمعنا. ولذلك فإن الانفتاح على القوانين الدولية التي تنزع جميع أشكال التمييز بين المرأة والرجل أمر لا يمس بالدين، لأن هذه القوانين هي الأقرب إلى روحه ونصوصه، وهي أيضاً الأقرب إلى التغييرات الطارئة على المجتمعات العربية المعاصرة، ولا خوف على مجتمع يتمكن مواطنوه من النساء والرجال من امتلاك ما يحفظ حقوقهم ويعزز إنسانيتهم.

 

 

تعليقك على الموضوع:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

التعليق:

 

   القائمة الرئيسية  

 

   

       الصفحة الرئيسية     

 
 

 من نحن     

 

مقالات ودراسات     

 

تقارير وتحقيقات     

 

 شخصية العدد     

 

 مرصد     

 

أدب     

 
 

فن     

 

 قوانين ووثائق     

 

 معاهدات     

 

 الدساتير العربية     

 

 استشارات     

 

 أخبار من العالم     

 

 أخبار فلسطين     

 
 

 اللاعنف     

 
 

مؤتمر المرأة والتقاليد     

 

 دليل الجمعيات الأهلية     

 

تسجيل العضوية

 

للاشتراك وتلقي نشرتنا الأسبوعية يرجى التسجيل:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © Thara. 2008. جميع الحقوق محفوظة