|
تقنين الأحكام الأسرية في مملكة البحرين .. إلى أين ؟
زهراء مرادي
مركز البحرين لحقوق الإنسان
مؤتمر المرأة والتقاليد
تمهيد:
امتدّت مسيرة المطالبة بتقنين الأحوال الشخصية في مملكة البحرين قرابة
الربع قرن ،
وما أطولها من مسيرة ! مسيرة تراوحت بين المدّ والجزر، وبين الأخذ والردّ
الذي لم يتوقف حتى لحظة كتابة هذه الورقة.
لقد طالبت قطاعات عريضة من المجتمع البحريني بإصدار قانون لأحكام الأسرة،
يُحفَظ من خلاله الحقوق، ويكفل مساواة الجميع أمام القانون .. سعياً لترسيخ
دولة القانون وتأسيس مجتمع مدني سليم. كما أن المرأة البحرينية - مقارنة
بغيرها – قطعتْ شوطاً طويلاً في شتّى مجالات الحياة، وما تتعرّض لها في
المحاكم الشرعية بسبب عدم وجود الحماية القانونية لا يتناسب مع إنجازاتها
على الإطلاق.
كما أن المرأة البحرينية - مقارنة بغيرها – قطعتْ شوطاً طويلاً في شتّى
مجالات الحياة، وما تتعرّض لها في المحاكم الشرعية بسبب عدم وجود الحماية
القانونية لا يتناسب مع إنجازاتها على الإطلاق.
أتساءل: هل كان الأمر يستحق كل تلك الجهود التي صُرِفَت والسنوات التي مرّت
؟ لا أعتقد ذلك؛ فجميع الدول العربية والإسلامية لديها قوانينها الخاصة
بالأحوال الشخصية (عدا ثلاث دول، منها البحرين). وكان بإمكاننا أن نبتدأ من
حيث انتهوا، وأن نستفيد من تجاربهم عوضاً عن المرور بكل تلك المحطات التي
مررنا بها.
وفي الواقع أن ما تثار من هواجس ومخاوف وبالتالي من معوقات أمام التقنين
لهو غريب بعض الشيء، وربّما تكون بحاجة إلى دراسات تحليلية معمقة. إنني على
ثقة أنه كان بالإمكان توفير الكثير من السنوات والطاقات التي هُدِرت لو
كانت لدينا عقليات قادرة على إدارة الخلافات بشكل جيّد سواء في الجانب
الرسمي أو الأهلي.
ما أهمية التقنين ؟
إن التقنين ما هو إلا جمع للأحكام الأسرية كما وردت في الشريعة الإسلامية
في صيغة مواد قانونية مرتّبة ومبوّبة وفق ترتيب معيّن، والتقنين لا يعني
أبداً - كما يتبادر إلى أذهان البعض – تشريع قوانين مخالفة للأحكام
الإسلاميةبداً .
إن وجود قانون مدوّن في أي مجتمع يسهّل على القاضي أداء مهمّته؛ فتنحصر
مهمّته في غالبية الحالات في تطبيق المواد القانونية المدوّنة أمامه. ومن
المعلوم أنه يندر في أيامنا هذه وجود قضاة مجتهدين يستنبطون الأحكام
الشرعية من مصادرها. ولو افترضنا جدلاً وجود العدد الكافي من القضاة
المجتهدين، فإن الخلاف بين الآراء الفقهية المتعددة لا يمكن حسمها إلا عبر
التقنين.
والقانون عندما يكون مدوّناً يحمي القاضي من أيّة عوامل خارجية قد تؤثّر
عليه حين صدور أحكامه. ولأن القاضي بشر؛ فهو معرّض لأن ينقاد أحياناً
لأهوائه أو لمزاجه، ومن خلال التقنين يمكن التقليل من هذه الأحكام الخاطئة،
كما أنّه يحدّ من تناقض وتضارب الأحكام الشرعية في الحالات المتشابهة.
إضافة إلى أنّ من حق المحامين وأصحاب القضايا أن يطمئنوا إلى أنّ القاضي
يستند في حكمه إلى نصوص مكتوبة يكون ملزماً بتطبيقها ولا يحيد عنها.
ومن المتعذر – في عصرنا هذا - تكليف المحامين وأصحاب القضايا الرجوع إلى
أمّهات الكتب الشرعية؛ حيث تزدحم الأعمال وتتسارع وتيرة الأحداث.
كما أنّ عدم وجود مدوّنة للأحكام الأسرية فوّت على المتقاضين حقّ المساواة
مع غيرهم؛ فليس لهم حقّ الطعن على الأحكام الصادرة بحقّهم على درجات
التقاضي المختلفة؛ فلا يتمّ الطعن – في الغالب الأعمّ - في الأحكام الشرعية
أمام محكمة التمييز .. أي أنه ليس هناك من رقابة على قانونية الحكم الذي
يصدره القضاة الشرعيون. وهذا يعدّ مخالفة صريحة لكل المواثيق والعهود
الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
إن تطبيق القانون – كما يرى المحامي عبد الله الشملاوي[1][1]
- سيساهم في خلق ما يسمّى بفقه القضاء؛ فإذا طبقّت المحكمة السنّية حكماً
متطابقاً مع حكم المحكمة الجعفرية، فإنّ تطابق الأحكام سيؤدي إلى زيادة
مساحة المشتركات بين المذهبين بمرور الوقت.
كيف بدأ المشوار؟
في عام 1982م تأسّست لجنة باسم (لجنة الأحوال الشخصية) من ممثّلات عن
الجمعيات النسائية، وعملت هذه اللجنة على الدفع باتجاه إصدار قانون موّحد
للأحوال الشخصية. ورغم أن اللجنة كانت شبه رسمية، إلا أن المساندة الرسمية
لها كانت خجولة وضعيفة؛ وذلك بحجّة الخوف من غضب بعضٍ من علماء الدين
المتشدّدين.
وفي العام 1984م وُضِع قانون الأحوال الشخصية الكويتي، ثم وَضَعَت وزارات
العدل بدول مجلس التعاون الخليجية عام 1996م ( وثيقة مسقط للقانون الموّحد
للأحوال الشرعية لدول مجلس التعاون الخليجي ) والتي اعتُمِد فيها على الفقه
المالكي، مع أحكام محدودة جداً من الفقه الحنبلي والشافعي والزيدي والإباضي.
وربما أردات السلطة في البحرين تمرير هذه الوثيقة، إلا أنه كان من الطبيعي
أن يُقابل بالرفض من قبل الشيعة لرغبتهم في المحافظة على خصوصيتهم
المذهبية، خاصّة أن هذه الوثيقة لم تستند إلى المذهب الجعفري في أيّ من
بنودها. أما بالنسبة للسنة فقد اعتمد مشروعهم على هذه الوثيقة، وذلك بعد
إجراء مراجعات عليه من قبل علماء الدين لدى الطائفة السنية.
وفي العام 1999م نشر الشيخ محسن العصفور[2][2]
كتابه عن الأحوال الشخصية على أن يُطبّق في المحاكم الجعفرية، لكنه لم يتم
التوافق عليه. ومع بدء المشروع الإصلاحي في البلاد في العام 2001م، وتأسيس
العديد من الجمعيات واللجان، وتكثيف الحراك المجتمعي .. انطلقت هذه
الجمعيات واللجان مطالبة وبشكل أقوى بإعطاء المرأة المزيد من الحقوق، ومنها
الحق في الاحتكام إلى قانون مدوّن ومنصف للأحكام الأسرية في المحاكم
الشرعية. وفي العام 2002م قدّم الشيخ حميد المبارك مسودة الأحكام الأسرية
للمجلس الأعلى للقضاء، وفي نفس الفترة كُلّفَ عدد من علماء السنة بإعداد
مسودة للأحكام السنية. ثمّ شُكّلت بعدها لجنة تتكون من ثلاثة قضاة من
المحاكم السنية، وثلاثة من المحاكم الجعفرية، وثلاث من المحاميات بناء على
طلب المجلس الأعلى للمرأة[3][3]
بأن يكون لها تمثيل في اللجنة، وصدور أمر ملكي بتعيين ثلاث محاميات فيها.
وتم إصدار مسودة لقانون موّحد يجمع الأحكام الأسرية بين المذهبين الجعفري
والسني. لكن أعمال هذه اللجنة جُمِّدَت، وظل الحال على جموده حتى
14/10/2002م حينما اعتصمت لجنة العريضة النسائية[4][4]
أمام وزارة العدل للتعبير عن استيائها الشديد من الانتهاكات التي تتعرض لها
النساء في المحاكم الشرعية.
وقد رُفِع في الآونة الأخيرة مسودة قانون الأحكام الأسرية في الفقه السني،
وآخر في الفقه الجعفري للديوان الملكي، على أن يصدر قانون موحّد يحافظ على
الخصوصية المذهبية للطائفة السنية والشيعية؛ فينقسم إلى بابين، الأول يضم
المشتركات بين المذهبين (والتي ربما تتجاوز الـ 90% حسبما ذكر المشتركون في
إعداد المسودة)، والثاني يشير إلى المختلف عليه بينهما. وكان من المتوقع أن
يُرفَع القانون إلى المجلس الوطني خلال دور الانعقاد الرابع لإقراره، لولا
ما جدّ على الساحة من مستجدات قد تعمل على تأجيل صدوره إلى حين.
الحراك المجتمعي ودوره:
لقد طالبت العديد من الناشطات في الجمعيات النسائية منذ العام 1982م بقانون
منصف وعصري للأحوال الشخصية .. وقد تشعّبت جهودها طوال السنوات الماضية
بين عقد المؤتمرات، والندوات، وورش العمل، والدورات المتخصصة، والإصدارات،
والدراسات، وتقديم المساعدات القانونية للنساء المتضررات ... الخ، كما
ساهمت عدد من الجمعيات المهنية واللجان الشعبية كجمعية المحامين البحرينية
ولجنة العريضة النسائية في ذلك، وانطلقت العديد من الحملات والمبادرات
لاستصدار أحكام الأسرة.
وقد لعب المجلس الأعلى للمرأة في الآونة الأخيرة دوراً بارزاً في الدفع
بتحسين أحوال المرأة المتضررة من عدم وجود قانون للأحكام الأسرية ومن سوء
الأوضاع في القضاء الشرعي؛ فقد دفع بإنشاء صندوق للنفقة، وأعدّ الدراسات
الخاصة بالمرأة، وعمل على تمكينها وتدريبها. كما صدرت العديد من القرارات
الملكية والتي استندت فيها على توصيات المجلس الأعلى للمرأة، كالتوصية
بانتفاع المرأة المطلقة من الوحدات الإسكانية، والتوصية بتخصيص المراكز
الاجتماعية بدلاً من مراكز الشرطة لمقابلة الوالدين لأبنائهم، والتوصية
بإضفاء صفة الاستعجال على قضايا الأسرة في المحاكم ... وغيرها.
إلا أن من أكبر الأخطاء التي وقع فيها المجلس الأعلى للمرأة استفراده
بالحملة الوطنية لإصدار قانون أحكام الأسرة، مهمشاً نضال ربع قرن من العمل
الدؤوب للجمعيات النسائية. إن ملفاً شائكاً كالأحوال الأسرية كان الأولى
ألا يستفرد به المجلس، وأن يخلق شراكة مجتمعية حقيقية قبل البدء به .. فلا
يكفي طلب المقترحات والمرئيات من الجمعيات النسائية، بل كان من المفترض أن
تكون الحملة وطنية – كاسمها - بحق.
أما بالنسبة للمجلس الوطني فقد تبنّت كتلة المنبر الإسلامي المحسوبة على
الإخوان هذا القانون ودعمته، وكذلك كتلة الأصالة المحسوبة على التيار
السلفي. كما ناقشت لجنة الشئون التشريعية والقانونية اقتراح برغبة بشأن
مناقشة أسباب عدم وجود قواعد تنظّم أحكام الأسرة إلى الآن في المملكة، إلا
أن المناقشات والمداولات لم تثمر عن شيء يُذكَر.
ماذا يجري في الساحة البحرينية ؟
بدأ المجلس الأعلى للمرأة حملته للدفع بإصدار قانون للأحكام الأسرية بنشر
دراسة استطلاعية للرأي العام حول التقنين[5][5].
ثم دشّن (الحملة الوطنية لإصدار قانون الأحكام الأسرية) في شهر رمضان
المبارك من هذا العام بنشر آلاف الإعلانات في الشوارع والطرقات العامة،
وتوظيف التلفزيون الرسمي والإذاعة والصحافة، وأقيمت العشرات من الفعاليات
والندوات خلال الفترة الماضية.
في الواقع، ليست هناك من مشكلة لدى الطائفة السنية فيما يتعلق بالتقنين.
وعلى الرغم من إعلان ثمانية من المنتمين للمؤسسة الدينية السنية في أبريل
2005م عن معارضتهم لمشروع قانون الأحوال الشخصية؛ وذلك لعدم وجود من يمثّل
المذهب المالكي ( الذي هو مذهب المملكة وملكها) في اللجنة المكلفة بصياغة
القانون، ولوجود من يخالف المذاهب الأربعة لأهل السنة في لجنة صياغة
المسودة، إلا أن الموضوع وقف عند هذا الحد. وعلى ما يبدو أن علماء الدين
السنة لديهم المقدرة على الوصول إلى حلول توافقية بسرعة، وربما التسليم
بالأمر الواقع.
أما بالنسبة للشارع الشيعي فقد أبدى المجلس العلمائي بقيادة الشيخ عيسى
أحمد قاسم توجّسه من تغيير السلطة للقانون مستقبلاً؛ فالقوانين قد تبتدأ
شرعية وتنتهي علمانية[6][6]،
وذهب إلى أنه "إذا اقتصرت العملية اليوم على الصوغ مراعاة للحال الموضوعية
وحذراً من سخط الشعب، فإنها لن تتوقف عند هذا الحد غداً "[7][7]؛
فطالب المجلس العلمائي[8][8]
(الذي يضم علماء دين شيعة فقط) بضمانات ثلاث للقبول بعملية التقنين وفق
المذهب الجعفري، وهي:
1) أن تكون المرجعية للشريعة الإسلامية، وتحديداً للمرجعية الشيعية في
النجف الأشرف.
2) ألا يتم الإشراف والمراقبة على القانون إلا عبر فقهاء معتمدين لدى
الطائفة الشيعية.
3) إعطاء ضمانة دستورية ثابتة وغير قابلة للتغيير أو التعديل مستقبلاً.
لقد رأت السلطة في هذه الشروط ( وتحديداً الشرط الثالث ) أنها تعجيزية وغير
ممكنة، وقد علّقت لولوة العوضي (الأمين العام للمجلس الأعلى للمرأة) أن
إضافة مثل هذا النص تنصّ على مخالفة جسيمة للدستور؛ وذلك لأن الدستور قد
وضع قاعدة عامة يبيّن فيها طرائق سنّ التشريعات[9][9]،
فإذا تضمّن في الوقت نفسه نصاً خاصاً بطريقة تعديل قانون أحكام الأسرة؛
عُدَّ ذلك تناقضاً ومخالفة للقاعدة العامة، وهذا مما تتنزّه عنه الدساتير.
كما ذهب الجانب الرسمي إلى أن المادة الثانية من الدستور تقول بأن الإسلام
دين الدولة وأن الشريعة مصدر رئيسي للتشريع؛ ويترتب على ذلك وجوب أن تصدر
جميع القوانين مطابقة أو موافقة أو لا تعارض مبادئ وأحكام الشريعة
الإسلامية في حال لو كانت الشريعة الإسلامية تعالج موضوع هذه القوانين
بنصوص صريحة؛ ويترتّب على ذلك أنه لو وردت مواد في قانون أحكام الأسرة
متعارضة مع أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها لأمكن الدفع بعدم دستوريته،
سواء من قبل أصحاب المصلحة، أو من قبل رئيس الوزراء، أو رئيس مجلس الشورى
أو النوّاب، ومتى ثبتت المخالفة قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية النص،
ويُمْنَع تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم[10][10].
كما أن بإمكان الملك أن يحيل مشروعات القوانين ( قبل إصدارها ) إلى المحكمة
الدستورية للتأكّد من مدى مطابقتها للدستور. والسلطة ترى أنها ليست بحاجة
إلى هذه العملية طالما أنّ العلماء هم من يصيغون القانون ابتداءً
واستمراراً.
وقد اقترح المحامي عبد الله الشملاوي أن يُنَصّ في القانون على "أن لهذا
القانون صفة القانون الدستوري، فلا يُعدّل إلا بالكيفية والآلية التي تعدّل
بها نصوص الدستور، وأن يستمد أي تعديل من الراجح في الشريعة الإسلامية وحده
بالنسبة لكلٍ من بابي القانون، وإلا كان غير دستورياً". غير أن العلماء
أصرّوا على الضمانة الدستورية. فاقترح الشملاوي – أيضاً -
[11][11]
مخرجاً لهذه المشكلة بأن تقر هذه المسودة من قِبَل أهل العلم ومنظمات
المجتمع المدني أولاً، ثم تُقدّم للملك الذي يحيلها بدوره إلى المحكمة
الدستورية؛ فتصدر حكماً ملزماً للكافة بدستوريته[12][12]
دون المرور على المجلس الوطني للتصويت عليه؛ لأنه لا تصويت على شرع الله.
كما أن أجزاء من قانون الأحوال الشخصية قد قُنّنَت في السنوات الماضية ولم
يعترض عليها أحد، كقانون المرافعات لسنة 1986م والذي ينظّم الإجراءات أمام
المحاكم الشرعية، ويعمل على سرعة الفصل في الدعاوى، وكذلك قانون الولاية
على المال لسنة 1987م.
وكان الردّ من قبل العلماء أن الدستور يرى أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي
للتشريع، وليس المصدر الوحيد، أي أنه توجد مصادر أخرى بجانب الشريعة
الإسلامية، وهذا يعني إمكانية إقحام أحكام غير شرعية ضمن قانون أحكام
الأسرة؛ والدليل على ذلك أن الكثير من بنود القانون المدني مخالف للشريعة،
فهل استطاعت هذه المادة إيقافها ؟
كما ردّ المجلس العلمائي بإمكانية توفير السلطة للضمانة في الدستور بأنّ
البند ج من المادة 120 من دستور 2002 ينص على أنه "لا يجوزاقتراح تعديل
المادة الثانية في هذا الدستور، كما لا يجوز اقتراح تعديل النظام الملكي
ومبدأ الحكم الوراثي في البحرين بأي حال من الأحوال، وكذلك نظام المجلسين
ومبادئ الحرية والمساواة المقررة في هذا الدستور"[13][13]،
فكما تمكنوا من تضمين هذه المادة أمكنهم تضمين مادة جديدة بخصوص عدم تعديل
قانون الأحكام الأسرية إلا عبر الفقهاء.
وكان للباحث الإسلامي السيد كامل الهاشمي[14][14]
رأياً فيما يتعلق بالضمانة الدستورية التي يطالب بها
العلماء، فذهب إلى أن هذه الضمانة تتعلق بدستور 2002م، وهذا الدستور يعطي
الملك صلاحيات مطلقة يمكنه من خلاله أن يلغي أي قانون ويلغي أية ضمانات؛
فلا يستطيع أحد أن يعطي ضمانات في ظل حكم مطلق.
والمتابع للساحة البحرينية يجد أن المجلس العلمائي قد نجح نجاحاً منقطع
النظير عبر أسلحته التقليدية الفعالة والمتمثلة في المساجد والحسينيات
وصلوات الجمعة والجماعة، والجمعيات المتعددة الموالية لها أن تضغط على
الحكومة لتوفير الضمانات اللازمة للقبول بعملية التقنين، وكان آخر هذه
الفعاليات المسيرة الجماهيرية الضخمة والتي قدر المراقبون عدد المشاركين
فيها قرابة التسعين ألف مواطن. وهؤلاء المواطنون والمواطنات لم يطّلعوا على
المسودة؛ لأنها لم تُنْشَر[15][15]
لا من قبل السلطة ولا من قِبَل العلماء الذين عملوا عليها.
وقد سبق أن أبدى العلماء الشيعة الخمسة الذين عملوا على المسودة ( وهم رئيس
محكمة الاستئناف الشرعية الجعفرية السابق الشيخ عبدالحسين العريبي، ورئيس
محكمة الاستئناف الحالي الشيخ حميد المبارك، والقاضي الشيخ علي المبارك،
والقاضي الشيخ ناصر العصفور، والشيخ محمود العالي) استعدادهم للحوار مع
العلماء المعارضين للتقنين، وقد بعثوا إليهم بالمسودة للتعليق عليها، إلا
أنهم لم يردّوا عليهم منذ العام 2003م إلى وقت طباعة هذه الورقة. وكما لا
يخفى على أي مراقب وجود اختلافات بين علماء الطائفة الشيعية. كما أنّ
المجلس الأعلى للمرأة صرّح باستعداده للحوار مع الشيخ عيسى قاسم للتعرّف
على أوجه اعتراضاته على القانون عبر إيفاد لجنة إلى سماحته. وقد أعرب
المجلس العلمائي لاحقاً استعداده للحوار، إلا أن المراقب لا يستطيع التكهّن
بنتيجة تلك الحوارات.
تسييس الملف:
يرى علماء الدين الشيعة أنّ ما يصبو إليه الداعون للتقنين هو ترك المجال
مفتوحاً للحذف والإضافة والتغيير حسب توجّه الأغلبية في البرلمان.
ويتوجّسون من أن يُتّخذ من التقنين ذريعة للعبث بالأحكام الشرعية المقررة،
وأن تكون خطوة تعقبها خطوات أخرى لتمرير الضغوطات التي تمارسها أمريكا
وبقية الأنظمة الغربية على الأنظمة العربية والإسلامية من أجل التنازل عن
بعض القيم والثوابت الإسلامية.
وقد استطاع الشيخ عيسى أحمد قاسم أن يحشّد لعريضة وقّع فيها ما يزيد على
الـ 65 ألف مواطن رافض لتقنين الأحكام الأسرية، غير أن الديني اختلط
بالسياسي معبّراً عن أزمة ثقة بين قطاع كبير من الشعب وبين النظام الحاكم؛
فهم يراقبون مساعي السلطة التنفيذية نحو إحكام سيطرتها على الشأن الديني من
خلال تأميم المساجد، وكادر الأئمة والمؤذنين، والمجلس الأعلى للشئون
الإسلامية، ومراقبة التمويل المالي للجمعيات الإسلامية، ثم أخيراً تقنين
الأحكام الأسرية. ومن جهة أخرى فقد بدأ التململ يسري بين قطاعات كبيرة من
الشعب لكثرة الوعود الحكومية التي لا تنفّذ على أرض الواقع.
هذا إضافة إلى أن العلماء والمعارضة الشيعية تحديداً لا تثق بمجلس وطني
مرّر قانون جائر ومكبل للحريات، ألا وهو قانون الجمعيات السياسية، وقد يمرر
في القريب العاجل قانون التجمعات وقانون الإرهاب، فكيف يمكن الثقة به فيما
يتعلق بقانون الأحكام الأسرية ؟
إلا أن بعض أطياف المعارضة قد انتقد موقف تصعيد وتجييش الشارع على النحو
الحاصل حالياً؛ نظراً لأن الشعب البحريني قد طُعِن في مقتل من خلال
الممارسات والقوانين التي أقدمت عليها السلطة، وتحوُّل هذه القوانين إلى
واقع يمشي على الأرض كالتمييز والتجنيس السياسي والفساد المالي والإداري
وغيرها كثير، إلا أنهم لم يذهبوا إلى حد التصريح بالاستعداد للمساءلة
الإلهية وإلى حد لبس الأكفان. فكل تلك الملفات هامّة ولا تقل أهمية عن ملف
الأحكام الأسرية، خاصّة أنّ الأمر برمّته مبنيّ على هواجس ومخاوف قد تكون
في محلها وقد لا تكون، فالفأس لم يقع في الرأس وأغلب الظن أنه لن يقع
إطلاقاً.
إصلاح القضاء الشرعي:
يذهب المعارضون للتقنين إلى أنه ليس بخشبة الخلاص أو العصا السحرية التي من
خلاله ستحلّ جميع مشكلات النساء في هذا البلد، وأن الخلل الرئيس يكمن في
عدم كفاءة بعض القضاة ونزاهتهم، وفي وجود خلل في الإجراءات الإدارية في
المحاكم. وأنه في حال توفّر القاضي النزيهً والكفء فإن معظم مبررات الداعين
للتقنين ستكون واهية. ونحن نعتقد أن كلاً من القانون الجيد والقاضي الجيد
متممان لأحدهما الآخر؛ " فالأسرة الآمنة لا تعتمد على ( القانون المستمد من
الشرع ) فقط، وإنما على القاضي القوي الجدير الذي يمكن أن يتعامل مع
القانون، إضافة إلى ثقافة الأسرة التي إن تحققت فستكفل التزام كل شخص عند
حدوده"[16][16].
يكاد يكون هناك شبه إجماع لدى جميع المراقبين على سوء الأوضاع في المحاكم
الشرعية، وعلى تفشّي المحاباة والمحسوبية في تعيين القضاة. وهذا مما تسبّب
في أن يقدّم اثنان من أفضل القضاة وأكثرهم حرصاً وإخلاصاً (وهما الشيخ
عبدالحسين العريبي والدكتور علي العريبي) استقالتهما في أكتوبر 2004م عندما
تبيّن لهما عدم مقدرتهما على الإصلاح، رغم سعيهما الحثيث ومحاولاتهما
الجادة لإصلاح ما يمكن إصلاحه. وكان من البيّن عدم جدية السلطة في إصلاح
سلك القضاء الشرعي، وبذلك فقدت المحاكم الشرعية الجعفرية قاضيين كان العديد
من الجهات النسائية والحقوقية تعوّل عليهما الخير الكثير.
" اللازم – كما ذهب آية الله محمد سند[17][17]
- هو الممانعة من نصب القضاة بطريقة جرّة القلم، بل اللازم هو التثبت من
توفّر القضاة على المستوى العلمي اللازم والأوصاف المطلوبة. والاعتماد على
آلية متطورة ونزيهة لتعيين القضاة بعيداً عن المحسوبية والواسطة، وأن تتم
مراقبة أدائهم وإنشاء محكمة لمحاسبتهم. وقد تمّ في الآونة الأخيرة إعفاء
عدد من القضاة السنة والشيعة من مناصبهم بعد ازدياد الشكاوى عليهم.
السيناريوهات المحتملة:
من السابق لأوانه التنبّؤ بما ستؤول إليه الأمور في الساحة البحرينية بعد
كل هذا الشدّ والجذب بين الأطراف المتعددة. ولكن من الواضح أن هناك تراجعات
وتنازلات من قبل معظم الأطراف؛ فالعلماء كانوا رافضين لأصل فكرة التقنين
على أساس أنه يُفترض في القاضي أن يكون مجتهداً، وبالتالي له الحرية في
الحكم حسب الظروف والملابسات التي تختلف من حالة لأخرى. لكنهم اليوم يقبلون
بمبدأ التقنين، ويرفضون الآلية التي يتمّ بها التقنين. وفي المقابل كانت
الجهات الرسمية ومعظم الجمعيات النسائية ذات التوجّه الليبرالي تنادي
بالقانون الموحّد دون مراعاة الفروقات المذهبية، لكنها اليوم تقبل
بالخصوصية المذهبية.
إن مملكة البحرين تطرح نفسها كمركز إقليمي لمشروعات تمكين المرأة، وبقاء
حال المرأة بهذه الأوضاع السيئة في المحاكم الشرعية سيضرّ بها وبمكانتها،
سيما أنها " في سباق زمني للإيفاء بالتزاماتها بتنفيذ بنود الاتفاقات
الدولية، وتحقيق نسب من التقدم على مستوى واقع المرأة البحرينية"[18][18]؛
فقد تضطر الحكومة لتحسين صورتها أمام الرأي العام الدولي أن تصدر القانون
واضعة الجميع أمام الأمر الواقع.
وقد تكون السلطة مستعدة للتنازل قليلاً إرضاءً للمعارضين من العلماء، لكن
شريطة ألا يفقدها ذلك هيبتها. فالسلطة تعلم جيداً أنها في حال رضوخها أمام
مطالب العلماء المتشددين ستعمل على تقويتهم قبالها، وستضطر للتنازل في
الملفات الأخرى، وبالأخص الملف الدستوري. كما أن إعطاء ضمانة دستورية لهم
في الفترة الراهنة تعني فتح المجال لأقطاب المعارضة بالتأكيد على مطالبهم
بتعديل الدستور، وهذا ما لا ترغب فيه السلطة.
ومن السيناريوهات المحتملة أن تُقْدِم الحكومة على إلغاء المواد الخاصة
بالمذهب الجعفري طالما استمرت معارضة معظم علماء الدين الشيعة للقانون مع
السماح بتمرير القانون السني. وهذا يعني أن يظل البيت الشيعي على ما هو
عليه من تخلف وضعف سواء على مستوى الأوقاف الجعفرية، أو المناهج الدراسية،
أو المحاكم الشرعية.
ويرى بعض المتابعين أنه إذا لم يصدر القانون في هذا الدور من الفصل
التشريعي ( وهو الدور الرابع والأخير)؛ فإن دخول المعارضة في الانتخابات
البرلمانية القادمة 2006م قد يعرقل صدور القانون، خاصة أن التيار الأكبر من
الجمعيات المقاطعة للانتخابات البرلمانية السابقة تتقيّد بمرجعية الشيخ
عيسى أحمد قاسم.
إننا في مركز البحرين لحقوق الإنسان نرى أنه " لا يجوز فرض نظام قانوني
وقضائي معيّن يتعلق بالأحوال الشخصية على أية فئة دون قبول منها، ولا يجوز
فرض متبنيات مذهب معيّن على مذهب آخر، ولا يجوز أيضاً فرض هذا النظام
القانوني أو القضائي أو تعديله عبر الأكثرية البرلمانية دون رضا من الفئة
صاحبة الشأن"[19][19]،
ولكن نأمل ألا نكون بحاجة إلى ربع قرن آخر حتى يرى هذا القانون النور، فلن
يدفع ثمن التأخير سوانا نحن النساء البحرينيات ؟
المراجع:
1) استطلاع للرأي حول تقنين أحكام الأسرة في مملكة البحرين، استطلاع تعاقدي
أعده مركز البحرين للدراسات والبحوث لصالح المجلس الأعلى للمرأة، 2005م
2) البيان الصادر من مركز البحرين لحقوق الإنسان بخصوص الموقف من قضية
الأحوال الشخصية بتاريخ 22 أكتوبر 2005م.
3) البيان الصادر عن مكتب سماحة آية الله الشيخ حسين نجاتي بتاريخ 19 رمضان
1426هـ الموافق 23 أكتوبر 2005م.
4) البيان المشترك لآية الله سند والسيد أحمد الماجد والشيخ جعفر العالي
حول قانون الأحوال الشخصية، قم المقدسة، الأول من ربيع الثاني 1424هـ.
5) الجلاد والضحية في المحاكم الشرعية، غادة جمشير، دار الكنوز الأدبية،
بيروت، الطبعة الأولى، 2005م.
6) جريدة الميثاق.
7) جريدة الوسط.
8)
خطبة الجمعة للشيخ عيسى قاسم، جامع الإمام الصادق، الدراز، 15/10/2004م.
9) دستور مملكة البحرين.
10)
www.alayam.com
[20][1]
محامي
بحريني ساهم مع عدد من العلماء في إعداد مسودة قانون الأحكام الأسرية.
[21][2]
قاضي سابق في المحكمة الجعفرية.
[22][3]
تتبوأ قرينة الملك الشيخة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة الملك رئاسة
المجلس الأعلى للمرأة؛ مما يساهم في الإسراع في تنفيذ التوصيات الصادرة من
المجلس، كما أن الإمكانات المادية الضخمة المتوفرة لديه يعمل على أن ترى
معظم مشروعاته النور.
[23][4]
راجع كتاب ( الجلاد والضحية في المحاكم الشرعية ) لرئيسة لجنة العريضة
النسائية السيدة غادة جمشير، دار الكنوز الأدبية، بيروت، الطبعة الأولى،
2005م. وتستعرض فيه الكاتبة نشاطات اللجنة من سنة 2002م إلى 2005م.
[24][5]
انظر: استطلاع للرأي حول تقنين أحكام الأسرة في مملكة البحرين، استطلاع
تعاقدي أعده مركز البحرين للدراسات والبحوث لصالح المجلس الأعلى للمرأة،
2005م
[25][6]
راجع جريدة الوسط، 28/10/2005م
[26][7]
من خطبة الجمعة للشيخ عيسى قاسم في جامع الإمام الصادق بالدراز بتاريخ
15/10/2004م.
[27][8]
كما اتفق مع المجلس العلمائي عدد من علماء الدين الشيعة غير الأعضاء في
المجلس كآية الله حسين النجاتي وآية الله محمد سند. راجع: البيان الصادر عن
مكتب سماحة آية الله الشيخ حسين نجاتي بتاريخ 19 رمضان 1426هـ الموافق 23
أكتوبر 2005م.
[28][9]
تنصّ المادة رقم ( 70 ) من الدستور أنه لا يصدر قانون إلا إذا أقره كل من
مجلسي الشورى والنواب أو المجلس الوطني بحسب الأحوال، وصدّق عليه الملك.
[29][10]
راجع
www.alayam.com
جريدة الأيام البحرينية، لولوة العوضي ( الأمين العام للمجلس الأعلى للمرأة
)، آخر تحديث للمقال في: 26-10-2005م.
[30][11]
محامي بحريني خبير في الأحوال الأسرية، شارك مع جماعة العلماء على إعداد
المسودة.
[31][12]
راجع
www.alayam.com
جريدة الأيام البحرينية، من كلام للمحامي عبدالله الشملاوي في أمسية حوارية
نظمتها الأيام مع المجلس الأعلى للمرأة، آخر تحديث للمقال في: 24-10-2005م.
[32][13]
دستور مملكة البحرين
[33][14]
راجع: جريدة الميثاق، 31/10/2005م.
[34][15]
تم نشر المسودة الشيعية للأحكام الأسرية - بعد يومين من المسيرة
الجماهيرية - في جريدة الوسط، أي بتاريخ 11/11/2005م.
[35][16]
راجع
www.alayam.com
جريدة الأيام البحرينية، من كلام للشيخ عبد الحسين العريبي، آخر تحديث
للمقال في: 18-10-2005م.
[36][17]
بيان مشترك لآية الله سند والسيد أحمد الماجد والشيخ جعفر العالي حول
قانون الأحوال الشخصية، قم المقدسة، الأول من ربيع الثاني 1424هـ.
[37][18]
جريدة الوسط، قانون الأسرة "المفتاح"، منى عباس فضل، 29/10/2005م.
[38][19]
من البيان الصادر من مركز البحرين لحقوق الإنسان بخصوص الموقف من قضية
الأحوال الشخصية بتاريخ 22 أكتوبر 2005م.
|