|
الاستراتيجية اللازمة لزيادة مشاركة النساء في المجالات السياسية
والاجتماعية
سهام جبو العراق
مؤتمر المرأة والتقاليد
المقدمة
:
أن معالجة موضوع مشاركة المرأة في الفضاء السياسي، موضوع شاق وشيق، فلقد
بدأت المرأة العراقية الخروج إلى الحياة العامة منذ نهاية القرن التاسع
عشر، إذ تم افتتاح أول مدرسة للبنات في بغداد عام 1890 وسجلت فيها 90 فتاة،
وساهمت المرأة في ثورة العشرين وصدرت أول مجلة نسائية باسم ليلى تحت شعار
"في سبيل نهضة المرأة العراقية" وصدرت صحيفة "فتاة العرب" عام 1927 ولا
يمكن لأي متابع أن يتناسى دور المرأة العراقية ومساهمتها في النضال السياسي
الساري والعلني ضد الحكومات العراقية.
لعقود مضت غابت المرأة العراقية عن مواقع صنع القرار، والمواقع القيادية
بفعل طبيعة توجهات النظام السياسي ورموزه، التي كانت تحاكي قضية المرأة
بازدواجية لافتة للانتباه! فمن جهة كان هناك تحريم قاطع لتبؤ النساء
للمواقع القيادية ولم تشهد الساحة العراقية امرأة بمنصب وزيرة أو وكيلة
وزيرة أو سفيرة مثلت العراق في المحافل الدولية، الأمر الذي ولد لدى البعض
انطباعاً ضمنياً بأن المرأة غير قادرة أو غير مؤهلة أو غير ملائمة لأداء
مثل هذه الأدوار التي يفترض أن يؤديها (الذكور)، كما تعرضت المرأة خلال تلك
العقود إلى انتهاكات جسدية ونفسية، فقد سجنت وعذبت واغتصبت وأعدمت وهجرت
لمجرد أنها تحمل فكر مغاير لأفكار الحزب الحاكم، وأقصيت وأبعدت خلف الحدود
لمجرد ممارسة أحد أقاربها العمل السياسي، فكان واقع المرأة العراقية جزء من
حالة الاضطهاد العامة التي عانى منها العراقيون كافة، مضافاً إليها الأعباء
النفسية التي يفترضها واقع التنشئة الاجتماعية حول قدرة المرأة الطبيعية
على تحمل الأعباء بغض النظر عن حجمها ومصدرها! ونجحت العراقية في اجتياز
المحنة بكفاءة عالية وصبر قل نظيره.. وكان أملها كبير بعد حدوث التغيير.
1- بدايات التغير
لقد شهدت الساحة العراقية، بمجرد سقوط النظام السياسي السابق اندلاعاً غير
مسبوق لعدد كبير من منظمات المجتمع المدني للخوض في مختلف مجالات الاهتمام،
وكانت المنظمات النسائية الأكثر فاعلية وتحركاً وعمقاً، ولا بد هنا من
الإشارة إلى أنه رغم حداثة التجربة بالنسبة للعمل المدني. إلا أن المنظمات
النسائية التي ظهرت بفاعلية كانت قد استفادت من تجربة العمل السياسي في
إقليم كردستان مما أغنى حركتها وعمق من فاعلية أدوارها.
إلا أن تمثيل النساء في مجلس الحكم جاء خجلاً مقتصراً على ثلاثة أسماء فقط
من أصل 25 عضو، وفي أيار 2004 ضمت الحكومة العراقية الانتقالية أربع مناصب
وزارية للنساء هي؛ الزراعة، البلديات والأشغال العامة، العمل والشؤون
الاجتماعية، واستحدث منصب وزيرة الدولة لشؤون المرأة كجزء من الحكومة
العراقية الانتقالية. وفي مرحلة لاحقة فرض قانون الانتخاب إدراج اسم امرأة
لكل اسمين من الرجال على اللوائح الانتخابية، وشاركت النساء بأعداد غير
مسبوقة في انتخابات كانون الثاني 2005 بالرغم من التهديدات الأمنية الخطيرة
لكل الناخبين. ونتيجة لنظام التمثيل النسبي كان عدد النساء المنتخبات 87
امرأة يشكلن 11% من مجلس الوزراء و32% من الجمعية الوطنية و9 نساء من أصل
55 عضو في اللجنة الدستورية.
هنا يحق لنا أن نقف لنتساءل إلى ماذا تشير هذه النسب؟ أترانا إزاء تمثيل
ضعيف لشريحة تمثل الأغلبية؟! أم ترانا أمام قفزة حقيقية في واقع مشاركة
المرأة في الفضاء السياسي؟
لعله من المفيد أن ننظر إلى الأمر بواقعية وإيجابية حقيقية انطلاقاً من
تشكيل هذه القفزة في واقع معقد وشائك، لذلك فهي بحاجة إلى جهود فعلية معمقة
لأجل تثبيتها وتعميقها لا لوضعها لمجرد التحدث حولها.. إن استحقاق المرأة
العراقية وقدرتها ودورها التاريخي، هو ليس منة أو فضل من القوى السياسية،
وإنما هي جهود تبذل في مختلف الفضاءات، وتصدي واضح لمحاولات بعض القوى للحد
من فاعليته.
2- دور الحركة النسائية العراقية
قد يكون من الصعب أن نشير خلال هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق الحديث
إلى الأطراف المؤثرة في العملية السياسية ليس فقط لتعددها وتنوعها داخلياً
وإقليمياً ودولياً بل لتفاوت أدوار هذه الأطراف صعوداً أو هبوطاً في
تفاعلها الإيجابي أحياناً والسلبي أحياناً أخرى. إذ أن الحالة العراقية
بشكلها العام يشوبها القلق والارتباك والضبابية أكثر مما يشوبها من الوضوح
والشفافية، لدرجة تأرجحت معها مشاعر المواطنين ما بين الاحتفاء بانتهاء
الديكتاتورية والخيبة جراء الإخفاق والتردي الذي أضحى واضحاً.
وبين هذا وذاك كان الخط الأكثر وضوحاً والأكثر تحديداً قد خط بيد المرأة
العراقية، التي واجهت كل المتغيرات والموروثات الاجتماعية كمتحدية مقتدرة
بناءة معطاءة. ولم تتخلى عن أمومتها يوماً ولا عن واجباتها تجاه الوطن
والعائلة. لقد خاضت الحركة النسائية العراقية نضالاً طويلاً لنيل الحقوق
وتثبيتها، ومازالت قادرة على مواصلة النضال لتحقيق الهدف الأسمى والمشاركة
فعلياً في عملية البناء الحقيقي. والدليل على ذلك ما أفرزته إرهاصات
العملية الدستورية ودأب النساء وثباتهن على الموقف بكل الإصرار والقوة،
التي ستستمر ولن تتوقف يوماً ويمكن أن نؤشر دور الحركة النسوية في المواقع
الآتية:
1-
توعية وتثقيف النساء بالعملية السياسية والعملية الدستورية من خلال إقامة
الندوات والحلقات النقاشية.
2-
حث النساء على تعزيز روح السلام وإشاعة ثقافة التسامح.
3-
تدريب النساء على المهارات بما يفعل من تمكينهن عبر مئات الورش التدريبية.
4-
تنظيم حملات المدافعة والاعتصامات لتثبيت حقوق المرأة في الدستور.
5-
عقد اللقاءات المباشرة بصناع القرار، وأعضاء الجمعية الوطنية، وأعضاء
اللجنة الدستورية.
3- التحديات التي تواجهها المرأة العراقية
تعد قضية المرأة من أهم قضايا التنمية والديمقراطية، وكيفية مشاركتها في
بناء عراق جديد، وهي قضية اجتماعية سياسية تعني الرجال كما تهم النساء بل
إنها قضية مجتمع، إلا أن واقع هذا المجتمع قد فرض جملة تحديات أضحت معوقات
تواجهنا يمكن إيجازها بالآتي:
1-
طبيعة النظام السياسي: فالنظام الذي يؤمن مشاركة فعالة هو النظام الذي
يرتكز على بنية مؤسسية يحترم الحقوق والحريات ويسمح بتفعيل مؤسسات المجتمع
المدني ويأخذ بالتعددية كصيغة للممارسة السياسية.
2-
غياب القيم الديمقراطية الحقيقية: إن القيمة العليا للديمقراطية هي أن يشعر
كل فرد في مجموعة ما أنه يشترك في التفكير والتخطيط ويساهم في صنع القرار
لا أن يفكر له الآخرون.
3-
حداثة تجربة العمل المدني في العراق وسيطرة المؤسسة الدينية والمؤسسة
العشائرية في المناطق الريفية.
4-
تغييب أو محدودية مكانة المرأة في العملية التنموية.
5-
النظرة الأبوية أو السيادية للرجل تجاه المرأة.
6-
الوضع التربوي والتعليمي للمرأة وطبيعة ونمط التربية والتعليم ومنهجيتها قد
انصبا على إعداد المرأة وظيفياً ومهنياً أكثر من تنويرها وتثقيفها.
7-
وسائل الإعلام: يعتبر الإعلام من أهم المعوقات أمام المشاركة الفعالة
للمرأة فالإعلام العراقي سابقاً ساهم في إعادة إنتاج الأيديولوجية الأبوية
المسيطرة لكونه إعلاماً رسمياً مسيطراً عليه من قبل مؤسسات السلطة.
الخاتمة: الآفاق المستقبلية
لقد أشرنا في ثنايا هذه الورقة في أكثر من موقع إلى فاعلية دور المرأة،
وحضورها رغم التغييب والتهميش، إلا أن طبيعة القوى المسيطرة على العملية
السياسية وطبيعة هذه العملية بحد ذاتها، يحتم على القوى الديمقراطية
التقدمية أن تتحرك باتجاه تثبيت حقوق الإنسان عامة والمرأة خاصة وأن تسهم
فعلياً في عملية البناء الديمقراطي من خلال تحالف هذه القوى وتصديها لكل
الاتجاهات الرجعية.
وهذا ما بدأت به الحركة النسائية العراقية لتواصل نشاطها في المجال السياسي
والمجالات الأخرى خاصة وأن العراق حالياً يخوض غمار عملية انتخابية حاسمة
لمرحلة قادمة. فإذا كانت القوائم الانتخابية ستشهد الأسماء النسوية، فمما
لا شك فيه أن واقع مجلس النواب سيشهد عناصر نسوية أكثر فاعلية وأكثر مساهمة
في العملية السياسية وإعادة كتابة القوانين وضمانات تنفيذها.
حيث:
1-
ناضلت المرأة العراقية من خلال أول منظمة نسائية تأسست عام 1952 وهي "رابطة
المرأة العراقية" في الدفاع عن حقوق المرأة السياسية والمدنية والاجتماعية
والاقتصادية، واستطاعت بالتعاون مع عدد غير قليل من الشخصيات النسائية
الحصول على حقوقها السياسية عام 1953.
2-
تشريع أول قانون للأحوال الشخصية في عام 1959 حيث ساهمت الرابطة في الدعوة
لهذا التشريع الذي تضمن في محتواه مساواة المرأة في الإرث وتقيد تعدد
الزواج. وضرورة تسجيل الزواج في المحاكم، وأثار صدوره ردود فعل القوى
الرجعية المناوئة لضمان حقوق المرأة ومساواتها، مما أدى إلى إلغاء بعض
فقرات القانون في أول أيام انقلاب 8 شباط 1963، وبعد أن تم توزير أول امرأة
على مستوى العراق والعالم العربي. ولعقود مضت غابت المرأة العراقية.
إذ أن حداثة تجربة العمل المدني في العراق قد لا تنطبق بدقة الوصف على
التنظيمات النسوية التي خاضت التجربة واستفادت كثيراً من العمل والتجربة في
إقليم كردستان. كما ساهمت صعوبة المرحلة، وطبيعة المرأة العراقية في إنضاج
تجربة عمل الحركة النسوية وتفعيل دورها بغية تمكينها من إحداث التغير، وذلك
لإدراك هذه الحركة لعقم الدور الدولي والعربي في إرساء دعائم السلام
والاستقرار في العراق. وإن عملية البناء الديمقراطي التي لابد أن تنجز
بأيدي عراقية لابد أن تنجز وفق أسس السلام والاستقرار.
|