|
المرأة في الكنيسة بين الدين والتقاليد
المطران سابا اسبر
مطران حوران بصرى وجبل العرب للروم الأرثوذكس
مؤتمر المرأة والتقاليد
وجّه أحد القائمين على التعليم الديني إلى الأطفال السؤال التالي، بعد أن
شرح لهم
ما فعله الله في قصة التكوين التوراتية: "لماذا برأيكم خلق الله المرأة بعد
الرجل؟" فرفعت واحدة من الطفلات يدها وقالت: (أعتقد أنه، بعد أن خلق الله
الرجل، فكّر في نفسه قائلاً: "إذا حاولتُ مرّة ثانية ، فقد أنجح في ذلك
أكثر مني في المرّة الأولى" وهكذا خلق المرأة).
لاهوت الخلق: أدم وحواء كائنان متساويان
إذا أردنا الكلام عن المرأة : موقعها ، دورها، فرادتها... من المنظار
المسيحي فلابد لنا من العودة إلى لاهوت الخلق. كيف خلق الله الانسان؟
وبماذا ميّزه عن سائر المخلوقات؟.
تؤمن المسيحية إيماناً راسخاً بأن الانسان مخلوق بعناية خاصة من الله. فقد
قال الله عند خلق الإنسان : "وقال الله لنصنع الإنسان على صورتنا
ومثالنا" (تك1: 26)، بينما تروي الرواية اللاهوتية الواردة في سفر
التكوين أن سائر المخلوقات أتت إلى الوجود بكلمة من الله : "ليكن ...
فكان". أما الإنسان
فقد عمل على خلقه بنفسه
"وجبل الرب الإله الإنسان تراباً من الأرض ونفخ فيه نسمة حياة، فصار
الإنسان نفساً حيّة" (تك2: 7).
الاختلاف الثاني هو أن الانسان مخلوق على صورة الله. أي فيه نَفَس إلهي في
تكوينه . هذه الصورة الإلهية يجب أن تنمو في الإنسان حتى يصل إلى ملء قامة
الله.
ما يعنينا في هذه المداخلة أن الرجل والمرأة يحملان الصورة الإلهية ذاتها
ولا يتميزان في هذا الحقل أبداً. فمبدأ المساواة الكاملة بينهما يستند إلى
أصلهما الذي يعود إلى الله. "فقال آدم هذه المرأة عظم من عظامي ولحم من
لحمي" (تك2: 22).
فالرجل كائن إنساني يحمل في داخله صورة الله، والمرأة كائن إنساني يحمل
الصورة الإلهية ذاتها.
لماذا التمييز قائم إذاً بين الرجل والمرأة في كل المجتمعات وحتى المسيحية
منها؟ لماذا تُعطى السيادة للرجل والتابعية للمرأة؟
الجواب يستدعي العودة إلى علم الإجتماع للبحث في أسباب نشوء المجتمع
الذكوري.
تفسير النصوص
تحمل النصوص المقدسة كلام الله المعطى للبشر ضمن حضارتهم زمن كتابة الوحي.
هذا يستدعي
مجهوداً عند المؤمنين
للتفريق بين كلمة الله والمركبة التي تحملها. ونقصد بالمركبة :الوجه
الانساني في تبليغ الوحي (اللغة، الأسلوب الأدبي، خبرات الشعب المؤمن،
الأمثلة المستخدمة، المفاهيم الاجتماعية لذلك الزمان، المستوى الأخلاقي
السائد....إلخ)
يؤمن المسيحيون أن الله قد أوحى للبشرية بما أراد إيصاله إليها من أجل
خلاصها. بلّغ الله وحيه بواسطة الأنبياء الذين حملّهم رسالته تاركاً لهم
حرية اختيار الأسلوب المناسب لإفهام السامعين كلمته الإلهية. فالوحي هو
مؤازرة إلهية إنسانية. قذف الله رسالته في نفس النبي، وبلّغ النبي الرسالة
بالشكل الذي يناسب فهم السامعين.
بكلام آخر،
استخدم الأنبياء اللغة والأدب والمفاهيم القائمة، أي معطيات الحضارة في
زمنهم ليبلّغوا الكلمة الإلهية.
كثيراً ما أٌعطيت النصوص المقدسة تفاسير تأويلية تستند على خلفية تقاليد
المجتمع ومفاهيمه التي تتعارض جذرياً مع المفاهيم الإلهية التي تحملها
النصوص المقدسة.
نهج تفسيري كهذا، كثيراً ما أعطى، وما يزال، الذريعة لتثبيت المفاهيم
القائمة بدل اكتشاف المفهوم الإلهي الأصيل. وكثيراً ما ظُلمت المرأة، وما
تزال بسبب تفاسير خاطئة وناقصة كهذه.
وهذا ما يدعونا إلى طهارة كبيرة وعلم غزير من أجل
تفسير النصوص المقدسة تفسيراً يُظهر مشيئة الله وتعليمه،
لا إلباسه مشيئتنا ومفاهيمنا.
المرأة في الإنجيل
يستند وضع المرأة ومقامها مسيحياً إلى الإنجيل المقدّس، وخاصة إلى موقف
السيد المسيح منها.
لم يعلم السيد المسيح مباشرة عن المرأة وطبيعتها ومكانتها وعلاقتها بالرجل.
إنما نستطيع أن نستشف موقفه منها بوضوح من خلال تعاليمه عن الطلاق وعن
الشهوة. فعندما سُئل إن كان "يحلّ لأحد أن يطلّق امراته لأية علة كانت"
(مت19: 3) أجاب "أما قرأتم أن الخالق منذ البدء جعلهما ذكراً وأنثى
وقال: لذلك يترك الرجل أباه وأمه، ويلزم امرأته فيصير الاثنان جسدا واحداً.
فلا يكونان اثنين بل جسداً واحداً. لايفرقّن الإنسان ما جمعه الله" (مت
19: 4-6).
وعندما جابهه اليهود بأن موسى أمر أن تُعطى كتاب طلاق، أجابهم :
"من
أجل قساوة قلوبكم رخّص لكم موسى في طلاق نسائكم"
(مت9: 8).
أما بخصوص الشهوة فقد وسّع خطيئة الزنى لتشمل القلب لا الفعل فقط. "سمعتم
أنه قيل: "لاتزنِ" أما أنا فأقول لكم: من نظرإلى امرأة ليشتهيها فقد زنى
بها في قلبه" (مت 5: 28). بهذا منع السيد المسيح أن تكون المرأة أداة
للاستهلاك والمتعة. ورفض إلغاء شخصيتها واختزالها في جسد فقط. كما أنه جعل
مسؤوليتها في هذا المجال كمسؤولية الرجل عندما قال للذين جلبوا المرأة التي
أمسكت في زنا وتركوا الرجل الذي زنا معها: "من منكم بلا خطيئة فليرمها
بحجر" . وبعد أن انفض الجمع قال لها "وأنا لا أحكم عليكِ. اذهبي ولا
تعودي بعد إلى الخطيئة" (يو6: 11).
أما من حيث تعامله العلني مع المرأة يورد لنا الإنجيل المقدس قصصاً كثيرة
يتبين منها بوضوح أنه كان يتعامل معها كما يتعامل مع الرجل. فقد كانت
النساء مرافقات له مع الرسل الحواريين في تجواله التبشيري، وأعطاهن شرف
الإخبار بقيامته من بين الأموات ليُبلغن الحواريين بها. وكثيرات منهن حملن
مشعل البشارة الجديدة في العالم كمواطنتنا القديسة تقلا التي تسميها
الكنيسة المعادلة الرسل.
الرجل والمرأة متساويان
لا يفرّق اللاهوت المسيحي بين الرجل والمرأة في الخلق على صورة الله.
ويعتبر الرجل شخصاً والمرأة شخصاً. ويكرّم طبيعتيهما بالتساوي. ففضائلهما
متساوية، ومكافأتهما متعادلة. وكذلك دينونتهما. كما أنه يرى أن الضعف يُعزى
إلى الجسد ، بينما القوة هي في النفس. لذلك تكرّم الكنيسة القديسات تماماً
كما تكرّم القديسين. إذ لا فرق في المسيح بين رجل وامرأة على قول بولس
الرسول .
إذا عدنا إلى قضية المرأة نلاحظ أن نص الخلق يجعلها ككائن إنساني على
المستوى إياه الذي للرجل. لكن المجتمع الذكوري السائد زمن الوحي وما بعده
جعل المرأة في مرتبة أدنى من الرجل واستند المؤمنون إلى نصوص يؤولونها
لتخدم مفاهيمهم الحضارية والاجتماعية أكثر مما تأملوا فيها ليصلوا إلى فكر
الله المبثوث فيها.
وكثيرا ما خلطوا وما يزالون بين وظائف الأنوثة ووظائف الرجولة عند المرأة
والرجل.
فحتى رسائل بولس الرسول التي قد تُنخذ بعض كلماتها ذريعة لتسييد الرجل على
المرأة، تشدد على التكامل بين الاثنين لا على إعلاء أحدهما على الآخر.
وعذدما يطلب الرسول من المرأة أن تطيع الرجل فلأنه يجعل العلاقة بين
الزوجين على صورة العلاقة بين المسيح والكنيسة. يطلب أولاً من الرجل أن يحب
المرأة كما أحب المسيح الكنيسة ومات من أجلها. فالعلاقة أولاً وآخراً علاقة
حب مضحي باذل نقي تنتفي منه مفاهيم السيادة والطاعة والعبودية.
وقد فسّر القديس يوحنا الذهبي الفم (القرن الرابع الميلادي) كلام الرسول
عن الرأس والجسم بأن المرأة سبّأقة للرجل في التقوى والنضال المسيحي. لذا
يمكن بالنضال الإنجيلي، تجاوز الترتيب الذي يتكلّم عنه الرسول، بحيث تكون
المرأة رأسا للرجل إذا كانت هي الأتقى. وهنا أود أن أذكر قولاً لأحد الآباء
الكبار المعاصرين :"إذا كان الرجل رأس المرأة فهي الرقبة التي تديره".
تكامل الرجل والمرأة
ينسب اللاهوت المسيحي الفروق النفسية بين الرجل والمرأة إلى الدور الذي
أُوكل إلى المرأة عبر التاريخ، في ظل سيطرة الرجل. لكنه يميّز فروقاً
صادرة عن الطبيعة والله ويعتبرها لازمة لتتكامل الحياة بين الاثنيين.
فالتوجّه عند المرأة إلى الأمومة وتربية الأطفال، يجعل فيها ميلاً إلى
النعومة والرأفة والجمال العذب والعطف والحنان والحب، في حين التوجّه عند
أب الغد إلى الشجاعة والعقلانية والتنظيم وتذليل الصعاب والصلابة فهي صفات
لازمة للعمل والجهد والكسب.
يشدد اللاهوت المسيحي على التكامل بين الرجل والمرأة. لأن كلاً من الرجل
والمرأة خُلقا ليكون الواحد للآخر. فالمرأة باستعدادها العفوي لبذل الذات،
تحمي الرجل من الوقوع في الجفاف العاطفي والمغالاة في الاعتماد على
التقنية. وقد لاحظ آباء الكنيسة، كما الآباء الروحيون اليوم على أن المرأة
تباري الرجل وتفوقه في عيش الفضائل وحياة الصلاح.
يدعم علماء النفس والاجتماع اليوم النظرة الدينية التي تميز بين الميول
الأنثوية التي لولاها لكان العالم فاقداً الحب والجمال والرحمة، وبين
الميول الذكرية التي بدونها لايمكن مواجهة مشاق الحياة وصعابها. هذه الميول
من مكونات الرجل والمرأة. ولذلك فإن تحرير المرأة من قيود المجتمع الذكوري
يجب أن يكون مراعياً لطبيعتها، لا دافعاً إياها لتقليد الرجل. الدعوة إلى
تحرير المرأة لا تعني أن تصبح رجلاً آخر، وتخسر موهبتها الخاصة، بل
التأكيد على كونها كائناً إنسانياً يتمتع بحقوقه الإنسانية بكل معنى
الكلمة، وتمارس دورها الخاص في الحياة.
إن الرأي العام الحالي، الذي نشأ عن الثقافة الذكورية الماضية، يمارس ضغطاً
نفسياً على المرأة حتى تحقّق ما يفوق المساواة في الحقوق، والهدف من ذلك أن
تسعى إلى الجنس أكثر منها إلى الحب، وإلى العمل أكثر منها إلى الإنجاب
وتربية الأطفال، وإلى العقلانية بعيداً عن الإيمان، وإلى النضال الأنثوي
وروح الصراع أكثر منها إلى تأثير القلب، والمساواة في الفكر وفي الوظائف
الاجتماعية أكثر منها في المساواة في الكرامة وإلى التكامل في المهام
الإنسانية، والكهنوت الخارجي والمنظّم أكثر منها إلى الكهنوت الباطني الذي
تملكه هي دون الرجل.
إن المسيحية إذ تعطي المرأة حقها الكامل في الحياة تحذّر في الوقت نفسه من
خسارة المرأة لأنوثتها في الركض وراء مكاسب معينة على أمل التساوي بالرجل
في الظاهر فقط، كما تنبّه إلى أن للمرأة دوراً رائداً وأساسياً في الحياة
يجب أن لا تخسره ، وتُفقِد الحياة طعمها الأحلى.
العالم يعاني من فقدان المعنى اليوم، بينما يكمن دور المرأة الأول في إعادة
هذا المعنى المفقود. لأنها على حد قول اللاهوتي( بول إفدوكيموف) : "تكمن
رسالة المرأة في رعاية عالم الرجال من حيث هي أم، وتطهيره من حيث هي عذراء،
وذلك بمنحه روحاً، أي روحها هي".
الخلاصة
هذا لا يعني أن صورة المرأة كانت مشرقة دوماً وفق التعليم الأصيل. فكثيراً
ما مورس التمييز بينها وبين الرجل في المجتمعات المسيحية، وكثيراً ما كانت
الكنائس ـ هنا وثمةـ لا ترفض الممارسة الذكورية في المجتمع، هذا إن لم تكن
تؤيدها وتوجد لها المبررات اللاهوتية. سيادة النظام الأبوي في الشرق والغرب
لزمن طويل جداً رسّخ في العقول مفاهيم كثيراً ما أُولَت النصوص المقدسة
لتخدمها. هذا بطّأ من فعل وتأثير خميرة الإنجيل في تغيير واقع المرأة
وجعله مطابقاً للمكانة التي أرادها الله لها.
لكننا اليوم نرى مبادرات كنسية كثيرة ـ هنا وثمة ـ تعمل بكل رصانة وعزم
على كشف الظلم الذي لحق بالمرأة من جرّاء اعتبارها مجرّد إنسان تابع للرجل.
"اليوم، وفي نهاية حقبة طويلة من النظام الأبوي، تسعى المرأة إلى تأكيد
ذاتها كشخص إنساني كامل، كذات حرّة ومسؤولة. إنها الخميرة الإنجيلية تفعل،
بعد أن تحررّت أخيراً من الهيكليات الوثنية العتيقة" (أوليفييه كليمان)
ملحق
شهادات من سعي الكنائس في سبيل المرأة
مجلس الكنائس العالمي
" إن وعي النساء ومشاركتهن في كل مكان من العالم يشكّلان تنبيهاً قوياً
للكنائس المسيحية ، وبنوع خاص للاهوت المسيحي، ودعوة للعودة إلى شهادة
الكتاب المقدس ولإعادة اكتشاف ما ورد فيه عن الجماعة الجديدة للنساء
والرجال التي هي هبة من الله.
انطلاقاً من أن النساء كنّ أولى الشاهدات للقيامة، زمن أن الروح انسكب
عليهن كما كان على الرجال، واعترافاً بالزخم الذي أمدّت به النساء حياة
الكنيسة، يدرك المسيحيون اليوم أنّه من الظلم أن تُعطى للكتاب المقدس، كما
حصل طيلة أجيال، تأويلات تحصر النساء في دور التابعات ، في الكنيسة وفي
المجتمع. إن التقاليد والشرائع الاجتماعية، وحتى تعاليم الكنائس، التي تلزم
النساء بالخضوع للرجال وبإطاعتهم في الأسرة والكنيسة والمجتمع، إنما هي في
تناقض سافر مع الإنجيل.
لذا فعلى الكنائس أن تتساءل بجدّية عن صحة شهادتها. فإذا ما اكتفت بتكرار
النموذج الأبوي التقليدي في حياتها وتعليمها، فإنها لن تشهد بأمانة للحياة
الجديدة في المسيح، ولا للطاقات الجديدة التي أطلقتها قيامة المسيح من أجل
خلق إنسانية جديدة. ولكنّها، على العكس، تمتثل لنماذج العالم وقيمه
وهيكلياته"
مقتطفات من نص وٌزع على الكنائس الأعضاء لدراسته تمهيداً لمشاركتها في
الجمعية العمومية التي انعقدت للمجلس في فانكوفر، كندا 1983.
" عبر القرون شجّعت الكنيسة (...) المرأة المسيحية على أن تمارس إلى جانب
الرجل ووفقاً لطبيعتها الخاصّة، ميولها ودعواتها الشخصية عبر مروحة واسعة
من الخدم المرتبطة بالميدان الليتورجي والرعائي والتعليمي والتبشيري
والاجتماعي(...)
إنما، ومع الإقرار بهذه الوقائع، التي تشهد اهتمام الكنيسة بشأن المساواة
بالقيمة بين الرجال والنساء، ينبغي لنا الاعتراف بصدق وتواضع بأنّه، من
جرّاء الضعف والخطيئة الإنسانيين، لم تتوصل الجماعات المسيحية دائماً وفي
كل مكان إلى التغلّب الكامل على بعض المفاهيم أو الممارسات وعلى التحكّم
بتطورات تاريخية وشروط اجتماعية كانت توازي عملياً ممارسة التمييز بحق
النساء. هكذا قادت الخطيئة البشرية إلى أعمال لا تعكس في حال من الأحوال
الطبيعة الحقيقية لكنيسة المسيح....
يترتب على الكنيسة أن تعيد، عند الاقتضاء، تفحّص المعطيات القائمة،
والمفاهيم والأعمال التي قد لا تتّفق مع مبادئها اللاهوتية والكنسية
الثابتة، والتي قد تكون تسرّبت من الخارج وتخلّدت في الممارسة وسمحت بأن
تؤول على أنها مبخسة بحق النساء"
من اجتماع استشاري حول موقع المرأة في الكنيسة، عقدته الكنيسة الأرثوذكسية
عالمياً، سنة 1988 في رودس، اليونان
|