|
علموا أولادكم القيم الإسلامية والمسيحية المشتركة
ميشال شماس
أخبرني صديقي عندما زرته في بيته لمعايدته بعيد الفطر السعيد، "أن ابنته البالغة من
العمر ثماني سنوات سألته: " بابا ليش أنا مسلمة.. ورفيقتي مسيحية؟ فسألها لماذا هذا
السؤال؟ فأجابته إن مدرّسة الديانة طلبت من رفيقتها المسيحية الخروج من الصف.. فقال
لها عندما تكبرين ستعرفين الجواب.."
هذه
الحادثة ذكرتني عندما كان أستاذ الديانة يطلب من زملائنا المسلمين الخروج من الصف،
وكان بعضهم يبقى يستمع معنا لدرس الديانة المسيحية، ولم نكن ندرك وقتها ماذا تعني
كلمة مسيحي أو مسلم لأننا كنا صغاراً، ولأن الأغلبية الساحقة من السكان في وادي
النضارة تدين بالمسيحية. ولا زلت أذكر أيضاً أنه عند استلامي بطاقة امتحان الشهادة
الثانوية عام 1980، فوجئت أنه كتب عليها كلمة مسيحي، ولم أدرك معنى ذلك إلا عند
توزيع أسئلة الديانة في قاعة الامتحان، وسؤال المراقب لي إن كنت مسيحياً أو مسلماً.
وهكذا يفرقون بيننا كمسلمين ومسيحيين منذ الصغر، ثم عندما نكبر يطلبون منا التوحد
والتعايش والتآخي والحفاظ على العيش المشترك فيما بيننا، وتعقد لأجل ذلك المؤتمرات
والندوات وكلها تدعوا في النهاية إلى ضرورة التقارب بين أتباع الديانات السماوية
والتلاقي على القيم المشتركة. فأي معنى يبقى لتلك الدعوات والمؤتمرات، إذا كنا في
الأساس نعلم أولادنا ونزرع في نفوسهم وعقولهم منذ الصغر أن هذا مسلم وذاك مسيحي
أويهودي أو سني أوشيعي، أو أرثوذكسي أوكاثوليكي.. ونفصل بينهم أثناء إعطاء درس
الديانة؟ وهل سيستمع أولادنا إلى تلك الدعوات أو يستجيبون لها عندما يكبرون، بعد أن
تربوا ونشئوا على عادات وتقاليد، حفرت عميقاً في عقولهم..!؟ والمفارقة المضحكة أن
جميع الدول العربية نصت في دساتيرها على أنها تحترم جميع الأديان وتكفل حرية
الاعتقاد وحرية القيام بجميع الشعائر الدينية، لكنها في الواقع تفرض تدريس مقرر
الديانة على الطلاب ابتداءً من سن السادسة، وكأن الجمعيات والمدارس الدينية
والجوامع والكنائس لاتكفي لتعليم الدين وتدريسه. ولو سألت الطلاب عن رأيهم بإلغاء
مقرر الديانة، لأيد معظمهم هذه الفكرة.
فإذا كان مطلب إلغاء تدريس مقرر الديانة من المنهاج الدراسي متعذر حالياً، فإن ذلك
لا يمنع من جمع الديانة المسيحية والإسلامية في مؤلف واحد يتم التركيز فيه على
القيم المشتركة بين الديانتين. على اعتبار أن القيم المشتركة بين الإسلام والمسيحية
واسعة جداً، والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها تلك القيم التي توضح بجلاء تام مدى
التقارب إلى حد التماثل فيها، كما في القيم الأخلاقية والوصايا التي بينت عليها،
فكلها تأمر بالخير وتنهى عن الشر، فما أنزل على النبي محمد ومن قبله على السيد
المسيح من وصايا تأمر كلها بعبادة الله الواحد واحترام اسمه القدوس، وتحريم السرقة
والزنى والقتل وشهادة الزور( راجع متى 10/19-18وكذلك مرقس 10/ 18-19 ولوقا 18-20،
وسورة الإنعام وسورة الإسراء في القرآن).
وكذلك قول السيد المسيح لتلاميذه: ( وأنتم فصلوا هكذا : أبانا الذي في السموات
ليتقدس أسمك ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك على الأرض كما في السماء، خبزنا كفافنا أعطنا
اليوم، واترك لنا ما علينا كما تركنا نحن لمن لنا عليه، ولا تدخلنا في التجربة، بل
نجنا من الشرير .. انجيل متى 6/9-13) هذه الصلاة تشبه تماماً الصلاة التي ذكرها أبو
داود في سننه عن أبي الورداء عن النبي محمد :" ربنا الذي في السماء، تقدس اسمك،
أمرك في السماء والأرض. كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، أغفر لنا
ذنوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين. أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع
فيبرأ" وكذلك ما أتى به القرآن الكريم من ذكر طيب عن الرهبان في تعبدهم وقصص
الأنبياء وفي مقدمهم السيد المسيح وأمه السيدة مريم العذراء إلا خير دليل على مدى
قرب الإسلام من المسيحية." ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى..
سورة المائدة" قابله تأكيد المجمع الفاتيكاني الثاني سنة 1965"أن الخلاص يشمل أيضاً
أولئك الذين يؤمنون بالخالق وأولهم المسلمون الذين يعلنون أنهم على إيمان إبراهيم
ويعبدون معنا الله الواحد الرحيم ، الذي يدين الناس له في اليوم الأخر.. وأن
الكنيسة تنظر باحترام إلى المسلمين الذين يعبدون الله الواحد الحي القيوم الرحيم
القادر على كل شيء خالق السماء والأرض الذي كلم البشر".
فما الذي يمنع بعد كل هذا التقارب والتماثل في القيم المسيحية والإسلامية من أن
يكون مقرر الديانة جامعاً بين دفتيه لكل تلك القيم الرائعة، نعلمها لأولادنا منذ
الصغر ونربيهم عليها حتى يكبروا، وعندها بالتأكيد لن نكون بحاجة إلى تلك المؤتمرات
وتلك الندوات التي مازال كل طرف فيها متمترساً خلف مواقف مسبقة يعتقد أنها الأصح،
ولن يكون أولادنا أيضاً بحاجة إلى من يدعوهم عندما يكبرون إلى الحوار
والتلاقي.لأنهم يكونوا أساساً قد تربوا على التلاقي والوحدة انطلاقاً من تلك القيم
المشتركة والجامعة بين المسلمين والمسيحيين. فالمشكلة ليست في الكتب السماوية
المتقاربة في مضمونها إلى حد التماثل، بل المشكلة هي في تلك الاجتهادات والتفسيرات
التي تباعد بين الأديان، والمشكلة الأكبر تتمثل في عدم رغبتنا بعكس ذلك التقارب
والتماثل في عقولنا وممارساتنا اليومية.
|