|
ضرورة إعادة الاعتبار للمكتبة المدرسية
فارس شمسي
بات موضوع الثقافة ومحاولة تأصيلها مهمة شاقة تتطلب أن نفرد لها اهتمام
أكثر اتساعاً، في ظل مواجهة عولمة استهلاكية تأخذ بتلابيب و فكر شبابنا نحو
الشكليات والموضة. فالثقافة فكر وعمل متعدد الجوانب والمتطلبات والمهام،
يشترك في تكوينها المجتمع ككل بدءاً من الطفولة بالتزامن مع العملية
التعليمية والتربوية لتشكيل اللبنات الأولى لفكر يتسطر على ورقة عقل الطفل
البيضاء لتزويده بمفردات يكتسب فيها الطالب أبعاداً ومعاني جديدة للحياة.
ثقافة قد يجد الطالب في الأسرة حافزاً على الاستحواذ عليها والاستمرار بها
سيما في وسط عائلي يعشق الفكر ومروراً بالمكتبة المدرسية في حال عجزت
الأولى عن تأمين احتياجاته المعرفية وما تؤمنه المكتبة المدرسية من مصادر
ثقافية تضاف لجملة المعارف والمعلومات الموجودة بين دفة المقررات
التعليمية. وهو أمر يبدو وأن توفر فهو بالقدر اليسير وأن كان لا يتوفر في
اغلب المدارس مما يجعله محصوراً ضمن المقرر التعليمي والواجبات المدرسية
فقط واكتساب هوايات جديدة بعيدة عن المفهوم الثقافي التي يفترض أن تقوم بها
المدارس بدل قضاء أوقات كثيرة في الشارع أو ألعاب الكمبيوتر كمثال صارخ على
الاستخدام السيئ للتكنولوجية الحديثة أو الجلوس لساعات طويلة أمام شاشة
التلفاز وبذلك نخسر قسماً كبيراً من الطاقات التي بالإمكان تصقليها
واستثمارها من خلال مشاركة المدرسة في تامين المراجع الفكرية والثقافية
المناسبة والمرحلة العمرية للطالب في سنواته الدراسية.
فمن المسؤول عن هذه الحالة هل افتقار المكتبة المدرسية للكتب؟ أم عدم توفر
الاختصاصات اللازمة التي تعرف الاحتياجات الحقيقية للطالب؟ أم الطالب نفسه
الذي لم يعد يجد في الثقافة ضالته؟
مكتبات شحيحة
الدور الهام للكتاب يرى فيه الطالب مروان من خلال توسيع الآفاق وفتح
المدارك واكتساب حصيلة لغوية جديدة والنظرة للقضايا والمسائل بزاوية جديدة
والتعرف على أنماط جديدة للحياة وأفكار حديثة وغير ذلك مما يقال عن
المطالعة والثقافة فهو يقول بأنها بالنسبة لنا جانب نظري لأنه عملياً
المكتبة المدرسية شحيحة بالكتب، فنضطر إلى استعارة البعض منها من صديق أو
زميل وهي قليلة أيضا لغلاء أسعار الكتب وبالتالي لا يسد الرغبة في إشباع
هذه الهواية.
وإذا كانت المدرسة ممثلة بالطاقم التدريسي تنصح بالمطالعة و الثقافة في رأي
الطالب أحمد والإكثار من القراءة سيما في حصص التعبير بغية
الاستزادة العلمية والمعرفية والقدرة على الكتابة أكثر فأن كل تلك النصائح
لا تجدي نفعاً ولا تسد رمقاً نظرا لقلة المراجع مما نضطر إلى استهلاك
وقتنا في برامج وهوايات أخرى تستهوينا لا تكون بالضرورة مفيدة لي أو
لأصدقائي والاكتفاء بما نحصل عليه من معارف ومعلومات ضمن الحصة الدراسية.
كوادر قليلة وغير متخصصة
وكون المكتبة المدرسية مركز أساسي من مراكز التعليمية بحسب الأستاذ
محمد وهو أمين مكتبة ويراها جزء أصيل من المدرسة العصرية الساعية
لتحقيق نهضة اجتماعية متعددة المجالات من خلال نمو تربوي متكامل للطالب
تتيح له الفرص الكافية لتنمية قدراته وخبراته عن طريق ممارسة مختلف الأنشطة
الفردية تبعا لميوله واحتياجاته ويتأتى ذلك بتوفير الكتب اللازمة والأمكنة
لنشاطات الطلاب ( ملعب – مسرح – مخبر ........)
وتبقى المعضلة الأساسية في ذلك كله وفق قراءة أستاذ محمد هو في عدم
توفر الكفاءات المختصة (خريجي قسم المكتبات) ذوي الشهادات القادرة على
قراءة المفردات اليومية من اهتمامات الطلاب وميولهم الثقافية وتشجيع
المسابقات الثقافية وتكريم المتميزين في هذا المضمار من خلال هدايا عبارة
عن مجموعة قصصية أو كتب لا يملك اغلب الطلاب القدرة الشرائية لشرائها نظرا
لأسعارها الغالية والمرتفعة وهو دليل على عمومية المشكلة وليس الحصر ضمن
نطاق المدرسة وحدها وليبقى الطالب في حلقة الباحثين للدراسة كوسيلة بحث
وظيفية في المستقبل بعيداً عن المفهوم التطويري والبحثي لعلومه ودراساته
المتلقاة.
وتبدو المشكلة الأساسية في رأي سليمان عدم وجود غرفة مخصصة للمكتبة
المدرسية لتتشارك والتوجيه المدرسي أو أمانة السر في غرفة واحدة و وجود
الكتب التي تناسب المستوى العلمي الحديث والتواصل بين المؤسسات التعليمية
ووزارة الثقافة التي تزود المكاتب بمجموعة مناسبة من الكتب.
وعن ماهية الكتب المفضلة يبين الأستاذ محمد بأنها لا تختلف كثيرا
إلا باختلاف الجنسين وميولهم وكلها تتقاطع في محاولة التقليد للشخصيات
البطلة ضمن الرواية أو القصة وكل ما يملأ مخيلته ونستطيع من خلال تقديم كتب
التاريخية المتمحورة حول السيرة الشخصية للعلماء ان يحذو الطالب حذوهم
ونبعده عن محاكاة الاستهلاك العولمي المسموع والمرئي.
دور أسري مفقود
وللثقافة الأسرية دور هام في دفع الطالب نحو تفضيل المطالعة لتكون حلقة وصل
بين هوايته داخل الأسرة والمجتمع ومهاراته ومعارفه في المؤسسة التعليمية إذ
الأسرة هي أول حاضن اجتماعي له وتملك ان تجعل الطالب من خلال ركائزه
المتمثلة بوالدين يجعلان من مسلكهما الثقافي وهوايتهما وأسلوب الحوار
والمناقشة قدوة ومثلا تشكل سدا تمنع الطالب من تصفية وقته لساعات طويلة في
العاب و هوايات ليست بالضرورة كلها ذات فائدة ومنفعة.
يقول بيرنو: "نعرف جيداً أن كل المتعلمين ينحدرون من ثقافة هي ثقافة أسرهم
وأحيائهم، ومجموعات الانتماء وكذا الطبقات الاجتماعية، إنهم كل حسب
انتمائهم، ورثة، غير أن السوق المدرسي (
marché
scolaire)
يجعل من بعض الإرث يزن ذهباً، في حين يشكل إرث آخر عملة رخيصة. إن الأطفال
الذين نموا بين الكتب وفي خضم نقاشات ثقافية لا يحسون بالاغتراب عندما
يلجون المدرسة، وهم ليسوا مغتربين، إلا من الأشكال الخاصة للفعل التربوي،
وللعلاقات التربوية. أما أولئك الذين ترعرعوا في مساحات جرداء وأمام
تلفزيون تفصلهم عنه مسافات، فإنه عليهم قطع مسافات طويلة ما دام لا شيء
يتحدث إليهم لا الأشياء ولا الأشخاص ولا الأنشطة".
خيارات لابد منها للثقافة
ولترسيخ الثقافة الأسرية أو المدرسية ودعم النشاطات الطلابية المعرفية لفتح
أفق معرفية وتشجيع البحث العلمي للطالب يفترض ان تكون البداية من المجتمع
والمؤسسات المسؤولة بالقيام بتأمين الكتاب بسعر يتفق والمقدرة الشرائية
للمواطن ومن تأمين الكوادر المتخصصة المؤهلة في مكاتب مستقلة تتواجد فيها
احدث الإصدارات العلمية والمعرفية والعمل على التنسيق بين وزارة الثقافة
والمؤسسات والمجمعات التربوية لرفدها باحتياجاتها المكتبية اللازمة وزيادة
الفعاليات الثقافية بين الطلاب ( مسابقات أدبية أو شعرية ومعلوماتية
...........)والاستفادة من تقنية الانترنت وما وفرته من سهولة تلقي
المعلومة في تزويد الطالب وما يلزمه من معارف وعلوم لندخل الطالب في أجواء
ثقافية تحميه من الانجرار وراء الاجتياح الاستهلاكي الجارف.
|