|
مفهوم الحرية عند الأبناء.. إنفلات من القيود أم اكتساب واعي؟
إيمان ونوس
الحرية بمفهومها الحقيقي مسؤولية والتزام، وليست مجرد انفلات من قيود
تُعتبر
في نظر أبنائنا بالية ورثّة، عفا عليها الزمن. الحرية وعي وإدراك حقيقيان
لقيم الحياة المجتمعية والأخلاقية، والأخذ والاستفادة مما هو إيجابي،
والتعاطي معه بروح المسؤولية، لتخطي السلبيات التي تعيق تطور الفرد
والمجتمع على حد سواء.
وللأسف فإن الغالبية من أبنائنا يرون في الحرية مجرد تمرد على كل ما يطلبه
الأهل أو يفرضه المجتمع بعاداته وقيمه.
صحيح أن في الشباب دائماً روح التمرد والثورة والانفعال- ونحن كمربين وآباء
نسلم بتلك الخاصية- لكن، ليس لدرجة اللامبالاة كلياً تجاه كل المعايير
والقيم الاجتماعية. إذ عندما نتجه بتربيتنا نحو استقلالية أبناءنا كي نفسح
المجال أمام تطور شخصيتهم وتفتح وعيهم، لاكتساب مهارات وقيم متحررة نوعاً
ما من تلك البالية، إنما لنساعدهم كي يتخطوا عقبات هذا التحرر بهدوء
وموضوعية. ولكن ألاَ يُعيروا اهتماماً لكل الأشياء بسوية واحدة، فهذا غير
معقول ولا مقبول، وغير إيجابي في فهمهم لتلك الاستقلالية والحرية.
ولما نتعامل معهم بأمور قد تضَر بهم وبمصلحتهم- بمرونة- كي لا يلجأوا
للتهرب منَا بسبب الضغط الأبوي،- ولأن الممنوع مرغوب- فإنهم يعتبرون أن هذه
الأمور هي حرية شخصية ولا يجب الاقتراب منها، وإلاَ وُصفنا بالديكتاتورية
والتسلط.
فمثلاً، سأختار قضية التدخين لأنها الأكثر انتشاراً، هذه العادة نتعامل
معها لدى الأبناء بكشف أضرارها على الصحة، خاصة وأنهم في طور النمو، إضافة
لضررها المادي، بحيث لا نكون حادين أو قساة في منع استمرارية تلك العادة،
أملاً في كسب الثقة في أن يتفهم الابن ذلك بشكل واعٍ، ويمتنع عن متابعة
التدخين. لكن نراه في كثير من الأحيان مستمراً وبشكل سلبي، قد يجعلنا نلجأ
للقسوة والمنع الديكتاتوري، مع علمنا بأنه ربما يلجأ إليها خفية.
فنحن لم نسلك السبيل الأول إلاَ لقناعتنا بأننا عندما نكشف له تلك الأضرار،
إنما نضعه وبحرية أمام مسؤولية تخصه بالدرجة الأولى، وهنا عليه أن يكون
جديراً بتلك المسؤولية والحرية المعطاة له، ويقلع عن الاستمرار بما يعود
عليه وعلى أسرته بالضرر، أي أن يشعر بمسؤوليته عن الجماعة أيضاً.
كما أن الحرية والتحرر ليس بالخروج الكلي عن المألوف، أو الأخذ بالحرية من
جوانبها التافهة والمبتذلة، كالصرعات متعددة الاتجاهات، إن كان لجهة
العلاقات المتبادلة بين الشباب، أو لجهة الموضات في الشعر والملبس، وحتى في
طريقة المشي، أو التعامل، أو التخاطب. إنما الحرية هي فهم حقيقي لما يجب
على أبنائنا الأخذ به، ليُضفي على تطور وعيّهم وشخصيتهم نوعاً من الرقي
والتحضر.
فالتحرر ليس سهراً حتى الفجر بالشوارع أو النوادي أو برفقة الشِلل التي قد
تودي بهم إلى المهالك، واكتساب أخلاقيات ممسوخة ومشوهة.
وليست الحرية انفلاتاً باستخدام التقنيات التي وضعها العلم لخير ومصلحة
وتطور البشرية، كالعبث بالهاتف والموبايل والكومبيوتر والانترنيت،
واستخدامها في مواضيع وأمور تافهة، قد تؤدي لإزعاج الآخرين، وربما تنعدم
فيها الأخلاق.
بل على العكس من ذلك، فإن الحرية في هذه الأمور وغيرها، هي ضبط للتصرفات
العشوائية والصبيانية، بالتعامل مع التقنية والقيم الاجتماعية والأخلاقية،
بحيث نكون موضع ثقة واهتمام واحترام الأهل والمجتمع، وأنفسنا بالدرجة
الأولى.
وذلك حتى نستطيع التواصل الفكري والعلمي والثقافي بين جيل الأهل وجيل
الشباب للوصول للهدف من تلك الحرية، ألا وهو التحرر من قيود التبعية
للعادات البالية التي يعتنقها المجتمع، والتي تعيق تطوره القيمي والعلمي.
أيضاً، الهدف هو التحرر من قيود التبعية للآخر الذي يصدر لنا نفايات تحرره،
والتي تعيق تطورنا وتحررنا، وتأسرنا في إطار من السطحية واللامبالاة
والابتذال تجاه قضايانا الخاصة والعامة، وبالتالي تعيق تحرر وعينا العلمي
والحضاري للحاق بركب العلم وتقنياته المتعددة، والتي تعود علينا أولاً،
وعلى مجتمعنا وإنسانيتنا بالزهو والازدهار والرقي الأخلاقي والعلمي.
ولننطلق في حريتنا هذه من مقولة: " عامل الناس كما تحب أن يعاملوك."
وأيضاً: " تبدأ حرية الفرد عندما تنتهي حرية الآخرين."
|