|
المرأة
العربية على طريق الآلام
ميشال شماس
مازالت المرأة العربية بحاجة إلى المزيد من الحقوق حتى تتساوى مع الرجل،
رغم أنه سُجل في السنوات الأخيرة تزايد حضور المرأة في مختلف المجالات. كما
تم رصد زيادة عدد النساء اللواتي يدخلن سوق العمل ويزاولن النشاطات
السياسية. غير أن هذا الحضور رغم أهميته يظل في معظم الأحيان غير كاف خاصة
وأنه يطغى عليه الطابع الرمزي ولا يرقى إلى مستوى التطلعات. وما زالت
المرأة في البلدان العربية تتعرض للاضطهاد والعنف حتى إن العنف الأسري قد
تفشي داخل الكثير من الأسر، ولم يتم بعد رصده بالشكل الكافي والبحث عن
مسبباته وسبل استئصاله بطريقة فاعلة ومنهجية. هذا الأمر مازال مستمراً منذ
قرون كامتداد طبيعي للعادات الاجتماعية و الدينية المتحجرة المتخلفة التي
ما زالت تتوارثه الأجيال منذ الجاهلية وحتى يومنا هذا، وبالرغم من كثرة
المؤتمرات والندوات والدراسات التي دعت ومازالت تدعو إلى ضرورة إعطاء
المرأة دورها الحقيقي وأهمية تمكينها من ممارسة هذا الدور فعلياًُ، إلا أن
النتائج المرجوة على خلفية تلك المؤتمرات والندوات والدراسات لا تزال دون
مستوى الطموح والغاية المرجوة.
فقد أكدت العديد من الناشطات والناشطين في مجال محاربة العنف ضد النساء في
عدد من الدول العربية إن ظاهرة العنف ضد النساء تشهد تنامياً مطرداً،
وتطال جميع المستويات من التعنيف النفسي والجسدي، مرورا بالاغتصاب بالتهديد
بالإيذاء وانتهاء بالقتل، وتقول فاطمة العلمي مسؤولة بإحدى جمعيات محاربة
العنف "مراكز الاستقبال والاستماع المخصصة للنساء ضحايا العنف في المغرب،
والتي يقدر عددها بـ50 مركزا تضطلع بمهام التوجيه والمتابعة والمرافعة
القضائية أمام العدالة:"إن عدد الممارسات المهينة التي تصنف في خانة
الجرائم التي تمس الكرامة الإنسانية، وتنتهك الحقوق والحريات الأساسية التي
تتعرض لها المرأة في المغرب غير معروف، لأن ما يحصل داخل البيوت من حالات
عنف ضد النساء تستعصي متابعته، إذ إن النساء المعتدى عليهن لا يلجأن غالبا
إلى الجمعيات الحقوقية لفضح هذه الاعتداءات، إما لجهلهن بها أو لبعد هذه
المراكز عن مدنهن، أو لعدم اكتراثهن بدورها". وجاء في دراسة حديثة أجراها
مركز الإعلام والرصد للنساء المغربيات:" أن النساء الأميات والعاطلات
هن
الأكثر تعرضا للعنف. وتوزعت مظاهر العنف ضد المرأة بين ممارسات تندرج ضمن
مقتضيات القانون الجنائي كجنح الضرب والجرح والشتم والتهديد بالقتل
والخيانة الزوجية، وجريمة الاغتصاب، وبين ممارسات أخرى تندرج في إطار قانون
الأحوال الشخصية، كالطرد من بيت الزوجية والهجر وعدم الإنفاق والطلاق
وإثبات النسب والحرمان من الإرث، بالإضافة إلى ممارسات تندرج ضمن مقتضيات
قانون العمل.
وذكر البحث أن 61.6% من حالات العنف المرصودة مرتكبة من طرف الزوج، وأشارت
العلمي إلى أنه إذا أضيفت لهذه النسبة نسب العنف المتعلقة بعنف أحد أفراد
العائلة وعائلة الزوج ستصبح 70% ، مما يؤكد أن العنف الممارس داخل الأسرة
يحتل الصدارة" .وأضافت الدراسة:" إن أغلب حالات العنف تمارس على من تتراوح
أعمارهن ما بين 20سنة إلى حدود 49سنة، وإن أغلب النساء المعنفات متزوجات،
بينما تحتل الأرامل والمطلقات المرتبة الثانية، وتأتي العازبات في المرتبة
الأخيرة. وذكرت صحيفة الأخبار المغربية أن ثلاثة شبان اختطفوا فتاة قاصر ثم
تناوبوا على اغتصابها في العام الماضي.
وجاء في دراسة "وحدة حماية الأسرة في الأردن": إن عدد حالات التحرش
المسجلة في تزايد مستمر. كما أظهرت دراسة صادرة عن صحيفة "لوريان لوجور" في
لبنان أن أغلب ضحايا التحرش من الإناث. بينما تشير أول دراسة في مصر عن
حوادث التحرش بالأطفال أعدتها فاتن الطنباري وهي أستاذة في جامعة عين شمس
إلى أن الاعتداء الجنسي على الأطفال يمثل 18% من إجمالي حوادث التحرش. ولا
زلنا نذكر حادثة التحرش الجنسي الجماعي التي شهدتها شوارع وسط القاهرة في
أول أيام عيد الفطر من العام الماضي، والتي أثارت العديد من التساؤلات حول
المسؤول عن هذا السعار الذي طفا بشكل مفاجئ على سطح مجتمعات يغلب عليها
الطابع المحافظ..وقد عزا كثيرون سبب ذلك إلى الكبت الجنسي الذي دفع بمئات
من الشباب الجائع بشكل جماعي وشبه منظم لم يفرق بين ( اللحم ) العاري و (
المغطى ). هذا الكبت الذي حول الشباب إلى وحوش جنسية كاسرة بينما أكد
آخرون أن المشكلة أساساً هي في النظر إلى المرأة على إنها شهوة وفقط ...
وذكر موقع الأوان في خبر نشره على الموقع أن دراسة صادرة عن المركز القومي
للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة- أكدت أن هناك 20 ألف حالة اغتصاب
وتحرش جنسي ترتكب في مصرسنويًّا، أي أنّ هناك حالتا اغتصاب وتحرش تتم كل
ساعة تقريبًا، وأن 90% من جملة القائمين بعمليات الاغتصاب عاطلون، وقدَّرت
الدراسة أن حوادث الاختطاف والاغتصاب تقع بنسبة ١٥% منها من صغار السن،
وبمعدل حادثتين كل يومٍ تقريبًا. وجاء في الخبر المنشور أن البرلمان المصري
ونوابه اعترفوا مؤخرا بارتفاع حالات الاغتصاب خلال الـ5 سنواتٍ الأخيرة،
وأن 85% من الحالات التي يكون ضحاياها أطفالا يكون المغتصب معروفًا للطفلة،
وفي 45% من الحالات ينهي المغتصب العملية الجنسية في الدقائق العشر الأولى
ويتبعها بالإيذاء النفسي والبدني للضحية، وقد يتطور الأمر إلى قتل الضحية.
أما في السعودية فقد سجلت ظاهرة التحرش بالنساء في السعودية ارتفاعا ملحوظا
بلغت نسبته 215% وقال تقرير حديث صادر عن وزارة الداخلية السعودية نقلاً عن
شبكة الأخبار العربية في موقعها على الانترنيت إن عدد قضايا التحرش ارتفع
من 1031 عام 1426 إلى 3253 قضية عام 1427. وأظهر التقرير أن قضايا الاعتداء
على العرض بشكل عام ارتفعت بنسبة 25% فيما ارتفعت حالات الاغتصاب بنسبة 75%
وقضايا اختطاف النساء بنسبة 10% . كما أثارت محاكمة عشرة شباب في محكمة
الرياض متهمين بالتحرش الجنسي في حي الملز ضجة واسعة، وقام هؤلاء الشباب
بنشر أفعالهم في أجهزة الجوال والانترنت. كما أقدم سبعة شباب بالتمام
والكمال بالتناوب فيما بينهم على اغتصاب فتاة القطيف في السعودية، وقبلها
في الكويت أقدم 11 شاباً على اغتصاب امرأة متزوجة، وفي الجزائر بلغت عدد
حالات الاغتصاب في الأشهر الثمانية الأولى من العام الماضي 170 امرأة
بينهن 88 قاصر.
وذكر موقع شام برس القريب من الحكومة السورية في آخر إحصائية
حديثة عن معدل جرائم الاغتصاب بسوريا " أن هناك حوالي 1300 جريمة اغتصاب
سجلت في العام
الماضي و كانت نسبة أعمار 95% من الضحايا أقل من 18 سنة و سجلت الاحصائية
نفسها
نسبة 26 % من الجرائم ارتكبها اقارب الضحايا كما أن النسبة المئوية لاعمار
الضحايا
الاقل من 15 سنة 34.8% أما اعمار الضحايا ما بين 15-18 سنة بلغت 65.2% و عن
صلة
جانب الضحية فقد بلغ عدد القضايا التي يوجد صلة قرابة بينهما 26.1% في حين
بلغت
نسبة 73.9% للحالات التي لايوجد صلة قرابة وعن مكان ارتكاب الجريمة فكانت
النسبة
المئوية لمنازل الضحايا تبلغ 50% أما المنزل الذي يخص المتهم فبلغت 31.25%
في حين
شكلت نسبة السيارة كمكان لجريمة الاغتصاب 12.5% في حين أن نسبة زواج الجاني
من
الضحية بلغت 8.7% في حين أن الحالات التي لم يتم زواج الجاني من الضحية
لكونه محرما
بلغت 21.7% أما الحالات التي لم يتم زواج الجاني من الضحية فبلغت 69.6% ".
اليوم وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي يصادف الثامن من هذا الشهر أدعو
لإعادة النظر في وضع المرأة في البلدان العربية، بما يوفر ويضمن لها مزيد
من فرص التكافؤ والمساواة مع الرجل. وإن الاحتفال بهذه المناسبة لهو فرصة
مهمة لتجديد إدانة العنف الأسري والتمييز الذي تعاني منه المرأة في مختلف
الدول وبخاصة بلداننا العربية. ففي الوقت الذي باتت فيه المرأة في
المجتمعات الديمقراطية المتقدمة تحظى بحقوق سياسية واقتصادية وقانونية
كبيرة مكنتها من اعتلاء مناصب قيادية عليا، ظل وضع المرأة في معظم البلدان
النامية ومنها بلداننا العربية غير مرض، تنعدم فيها فرص التكافؤ والمساواة.
فشئنا أم أبينا المرأة تشكل النصف الآخر من المجتمع إلى جانب الرجل، وهي
اليوم تساهم في بناء المجتمع وتطوره في دول العالم المتقدم، بينما مساهمتها
تبدو محدودة في دول العالم النامي وعلى الخصوص في البلدان العربية
والإسلامية بسبب الاضطهاد المستمر الذي تتعرض له والعنف الذي يمارسه الرجل
والمجتمع على السواء، ونحن إذ نحتفل هذه الأيام باليوم العالمي للمرأة
باعتبارها مناسبة نتوقف عندها في كل عام لتأكيد حقوق
المرأة
وتعزيز مطالبها بمساواة حقيقية بينها وبين الرجل، واستعراض تقدم الأنشطة
والوسائل التي تم اتخاذها لتحسين وضع المرأة وصولاً إلى تحقيق المساواة مع
الرجل، وكذلك تقييم التحديات التي يجب على النساء التغلب عليها في
مجتمعاتنا اليوم، وهي مناسبة لإطلاق صيحة في وجه التسلط الرجولي على حساب
المرأة.
وإن
أهم خطوة نخطوها نحو تمكين المرأة من المشاركة الفعلية في عملية البناء إلى
جانب الرجل بشكل متوازن، هي دمجها في النشاطات التنموية حتى ترتفع نسبة
مشاركتها في عملية التنمية، خاصة في المجال السياسي الذي يفتح أمام المرأة
أفاق التغيير واثبات وجودها وتأكيد دورها الفاعل في المجتمع باعتبارها كائن
سياسي بامتياز، انطلاقاً من قدرتها الفائقة على تسيير شؤون الأسرة وسرعة
تأقلمها مع محيطها العائلي بدبلوماسية مرنة بخلاف الرجل.
ولا
يقل أهمية عن ذلك توفير تشريعات وقوانين تضمن حق مساواة المرأة مع الرجل مع
ضمان تفعيل العمل بها.
وإلغاء أو تعديل القوانين التي مازالت تميز بين الرجل والمرأة، كما في
المادة 548 من قانون العقوبات السوري التي تحرض الرجل وتشجعه بوضوح على قتل
زوجته آو أخته آو ابنته أو أمه آو غير ذلك مما يسمى بجرائم الشرف، عندما
منحه المشرع عذراً محلاً أو مخففاً من العقاب، بينما لم يمنح الزوجة أي
عذر مخفف في حال مفاجأتها لزوجها في جرم الزنا المشهود آو في الحالات
المريبة وأقدمت على قتله. والأمر الخطير أن تلك المادة فتحت الباب واسعاً
أمام قتل النساء بحجة الدفاع عن الشرف، فكثير من النساء قتلن لأمر لا يتعلق
بالشرف مطلقاً، بل طمعاً في ميراثهن، أو للتغطية على فعل مشين، فيلجأ الرجل
مثلاً عندما ينكشف أمر تشغيله لزوجته بالدعارة إلى قتلها بحجة الدفاع عن
الشرف.علماً أن عبارة "من فاجأ زوجه" الواردة في المادة 548 أُخِذتْ عن
النص الفرنسي وتعني الزوج والزوجة معاً،إلا أن المشرع السوري ترجمها على
أنها تعني الزوجة فقط. إن هذه المادة وغيرها الكثير من المواد ولاسيما تلك
الواردة في قانون الأحوال الشخصية لا تتناقض وحسب مع العهود والمواثيق
الدولية التي وقعت عليها سورية، بل وتتناقض أيضاً مع الدستور السوري نفسه
الذي أكد في المادة 25 فقرة/3 منه:( المواطنون متساوون أمام القانون في
الحقوق والواجبات..)
وإن حصول ذلك سوف يدعم بلا شك الإحساس بالشراكة في بناء المجتمع انطلاقا من
الأسرة، واعتمادا على أساس مبدأ المواطنة الذي يعني المشاركة الواعية
والفعالة بغض النظر عن اللون والجنس والعرق والانتماء الديني أو السياسي.
فالأوطان والمجتمعات لا تسير على رجل واحدة، وإن سارت، ستكون مسيرتها
عرجاء، ولن تستقيم المسيرة إلا إذا سارت بمساعدة كل من الرجل والمرأة ويداً
بيد.
دمشق
|