|
|
|||||||||||||||
|
|
|
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
||||||||||||
![]() |
|||||||||||||||
|
الشريط الإخباري |
من مجالس خديجة وربيعة حول التنور .....إلى غرفة المدرسين!! ثناء الكردي لا زالت عالقة في ذاكرتي..... ما أروعها ذكريات الطفولة ... ما أروع رائحة خبز التنور وهي تفوح من فوهتها الملتهبة، لتنتشر في أرجاء القرية. أشعر بها تلك الرائحة الذكية، أتذكر الآن كلّ جزء من القرية، كل تفصيل من تفاصيلها، منظر النساء وهن يرتدين الملابس التقليدية والتعب والجهد يأكل وجوههن. كنت أركض مسرعةً كل صباح في نفس الموعد لألحق جارتنا خديجة وهي تصنع الخبز، أراقب حركاتها وهي تعد العجين وتمده على جدار التنور الداخلي. أراقب جاراتها (فاتي) و(ربيعة) وهما تأتيان مسرعتين حتى تصلا إلى الاجتماع الصباحي، ليتكلمن معاً عن آخر أخبار القرية، ويبدأ مجلس نهش اللحوم أو كما نعبر عنه بالمصطلح الإسلامي مجلس الغيبة والنميمة. كنت أتذكر الحوار والنقاش بينهنَّ وعيناي تروحان وتجيئان وهما تراقبان شدة الكلام وقسوة الأسلوب بالطعن في أفراد القرية. كانت كل واحدة منهن تستلم الحديث عن مجموعة من الجيران والجارات، تتحدث عنهم بما تعلم وما لا تعلم، ولا تخطئ إحداهن في مدح أحد. خديجة تظن أن جارها أبو محمد شديد البخل وتنشر عنه الأحداث المختلفة، كما ترجع مرض زوجته بفقر الدم إلى ذلك، بعد تحليلها السلسلة من الأحداث، وتتكلم عن بنت سلفتها رفعة بأنها قليلة أدب وأن شرفها مطعونٌ فيه لأنها تحب ابن الجيران، وترميها بأنواع الشتائم والألفاظ البذيئة، وقد توصلت إلى هذه النتيجة بعمق تفكيرها وبدليل قوي، ذلك أنها رأت الشاب يسلم عليها عندما كانت واقفة عند باب المنزل؟!! ثم يأتي دور الأخرى بعد جهدٍ جهيد من محاولاتها، تغتنم الفرصة في التكلم عن الأخبار الجديدة التي تحملها، وترمي في قريباتها وجاراتها اللاتي لا تحبهن، فتطعن في شرف فلانة وابنة علانة، وأنا أجلس وأستمع وأشعر بنفسي كأني أعيش في عالم من الوحوش. كنت أستغرب كثيراً وأقول في نفسي: هل عندما سأكبر وأصبح في عمر خديجة وجاراتها سأتكلم بهذه الطريقة. كانت تمر الأعوام وأنا أعيد السؤال: هل سيكون شغلي الشاغل هو الطعن في شرف فلان والتكلم عن سمعة علان؟ هل يعقل أن نبتعد كل هذه المسافة الطويلة عن سنة المصطفى؟؟ كنت أحياناً كثيرة أتذكر أقوال النبي عليه الصلاة والسلام عن الغيبة والنميمة ومنها خطبته صلى الله عليه وسلم المشهورة والتي ألقاها على مسمع ما يزيد عن مائة ألف نفس من صحابته الأبرار في حجة الوداع: ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا... ألا هل بلغت ) والأعراض في اللغة: جمع عرض( وهو موضع المدح والذم في الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره) لكن كنت أجيب على سؤالي: هؤلاء نساء مساكين، لم تسنح الحياة لهن الفرصة في التعلم وتشرّب الوعي الكافي، لذلك لم يوجد ما يشغل فراغهم وهن يجدن مثل هذه الأحاديث والانشغال بأعراض الناس التسلية الوحيدة من الجهد والعمل الشاق طوال اليوم. مرت الأعوام والتحقت بالجامعة، صرت أراقب مجالس صديقاتي وحواراتهن، عساني أجد من بينها ما يشفي غليلي ويخلصني من عقدة مجالس التنور. كان الوضع متطوراً قليلاً، لكن بإمعان النَّظر، كنت دائماً أشم الرائحة نفسها. ومن ثم تجول في خاطري أفكار كثيرة. أستغرب!! كيف لا يستطيع العلم أن يطور عقول البشر، لأنَّا تعوَّدنا دائماً أن ننسب أي رقي في المستوى الفكري إلى العلم والمعرفة. وللأسف ظلت غالبية زميلاتي يتكلمن بلهجة خديجة وربيعة ، مع أنهن استطعن التعلم والدراسة. كنت أجتهد كثيراً لأصل إلى جوابٍ شافٍ ،رأيت أنهن ربما لازلن في سنوات الشباب الأولى ولم يتمكنَّ بعد من تشرّب الحكمة والمعرفة، والزمن إن شاء الله كفيل في تغيرهن وتطورهن فيما لو وجدن حولهن الأجواء الملائمة التي تنهض بمستوى وعيهن. مرت عدة أعوام وتخرجت من الجامعة لألحق بأرقى وأسمى مهنة ألا وهي مهنة التدريس. قلت في نفسي أخيراً سأصل إلى مبتغاي، سأجد المجتمع المثقف الواعي، مجتمع المعلمين والمربين الذين يطمحون دائماً إلى بناء الأجيال و يمدون جيل الشباب والمراهقين بالمعرفة والأخلاق الحميدة. كانت نشوة السعادة تغمرني وأنا أحاور الطلاب وأنصحهم بالانشغال بعيوب النفس وببنائها والابتعاد عن هتك أعراض الناس ورفض التقاليد الموروثة في الاستهانة بمثل هذه الأمور وزرع الفتنة بين أفراد المجتمع وتشويه سمعة الناس من دون وجه حق وبدون يقين. وأتذكر معهم حديث الرسول عليه الصلاة والسلام عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو يسأل صحابته: (أتدرون من المفلس: قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ماعليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح في النار.) ولكني كما أعتقد كنت أنفخ في قربٍة مثقوبة، نعم ... لأن الصدمة الكبرى كانت عندما أصبحت أتردد إلى مجالس المدرسين والمدرسات الأفاضل، حينها ذهبت كل أحلامي هباءً منثوراً، خاصةً بعد أن وجدت الغالبية العظمى من هذه الفئة المربية مخالفة تماماً للصورة التي توقعتها. عندما بدأت أستمع إلى حوارات الآنسة سلوى والآنسة مريم والآنسة غادة، ما وجدت أي فارق يذكر في مستوى تفكيرهن وفي طريقة كلامهن. أسمع هذه تتكلم عن عيوب الأستاذ الفلاني وتلك عن طريقة كلام الآنسة الفلانية وينتهي المجلس وانتقاداتهم التافهة و السطحية لا تنتهي!!! أقول في نفسي سبحان الله من يسمع الواحدة منهن وهي تصف من تتحدث عنهم على أنهم شياطين، يتخيلها ملاكاً وأظنها ربما تكون أي شئ إلا أن تقارب الشبه إلى صورة الملائكة. أعود بكل يأسٍ إلى كتب الأئمة الأفاضل وأشفي غليلي بقراءة بعض الأسطر النظيفة للإمام ابن حبَّان رحمه الله وهو يقول:( الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه، فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع عيبٍ لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه وتعب بدنه وتعذرعليه ترك عيوب نفسه، وإنّ مبدأ عجز الناس من عاب الناس بما فيهم وأعجزٌ منه وعابهم بما فيه ومن عاب الناس عابوه). عندما رأيت هذا الوضع.... تيقنت تماماً أن التنور قد انتقل من بيت خديجة في القرية إلى غرفة المدرسين ولا حول ولا قوة إلا بالل .
ستر الله عيوبنا وعيوبكم.
|
القائمة الرئيسية |
|||||||||||||
|
|
|||||||||||||||
![]() |
|||||||||||||||
|
تسجيل العضوية |
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||
|
Copyright © Thara. 2008. جميع الحقوق محفوظة |
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||