English Site

البحث في الموقع

   

    الشريط الإخباري  

 

ما بين الأمومة... والأنوثة

إيمان ونوس

الأمومة غريزة تتغلغل في نسغ الأنثى وحنايا روحها منذ بدء التكوين.. تراها لا تجد لها سعادة إن لم تحقق تلك الغريزة لتفرغها عاطفة لا حدود لها من خلال أبناء تهبهم من الحياة والحب ما لا يقدر على وصفه الشعراء والأدباء والرسل.

هذه الأمومة مكمن سرُ تلك العواطف الرقيقة، والأحاسيس المرهفة في تعاملها مع الحياة بكل أبعادها، أمومة تجعلها تنسى ذاتها لمجرد إنتاش بذرة الجنين في رحم هو بيت حياة البشرية.

تنسى ذاتها فور سماعها الصرخة الأولى من حنجرة ستجدد ألقها الأنثوي- الأمومي ...لتغدو معها الأمومة والأنوثة ترنيمة عذبة الألحان والأنغام ...

لكن واقع الحياة قد يأخذ هذه الأم باتجاهات ربما لم تتوقعها، أو لا ترضاها في مسيرة حياتها الزوجية والتي فيها من مشاكل بعضها مستعصية على الحل، ربما تنتهي بالانفصال أو الطلاق، أو عندما يفعل القدر فعله( وفاة الزوج) لتجد هذه المرأة- الأم نفسها أمام امتحان عسير لأمومتها وأنوثتها في آنٍ معاً( لا سيما إذا كانت صغيرة السن)، امتحان فيه من القسوة  المركبة والمشاعر المتناقضة والمتصارعة في داخلها بين أنوثة وشباب من حقها أن تحياهما، ورسالة أمومة عليها تحملها بما فيها من مسؤولية وواجب تجاه أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم جاؤوا للحياة بمحض إرادة الأبوين، ليأتي القدر والواقع ويلعبا دورهما في اختيارات شائكة ومريرة، إضافةً للدور الكبير والهام الذي يلعبه المجتمع في تقييد خيارات المرأة، بما يحمله من موروث قيمي- تقليدي يحرم المرأة الكثير من حقوقها بشكل آلي- تلقائي، بينما يمنحها بذات الطريقة للرجل، كالزواج بعد الانفصال عن الشريك أو وفاته، ما يعد من أكبر الكبائر التي تقترفها المرأة حتى لمجرد التفكير فيها، فهي محكومة بالسجن الأبدي داخل قفص أمومتها من جهة، والوفاء الأزلي للراحل دون الاكتراث لما قد تعانيه من شعور بالوحدة والغربة، حكم اجتماعي ظالم ومجحف بحق المرأة من حيث التعامل مع أنوثتها وإنسانيتها.

أليست كائناً ذا شعور وروح...؟  هل وقف أحد ما ولو لبرهة صغيرة وفكر بمشاعر وأحاسيس هذه الإنسانة، وبالعمر الآتي- الشيخوخة- الذي ستكون فيه وحيدة لا أحد يمسح دمعتها، ولا يربت على كتفها بحنو، ولا يشاركها ليالي الوحدة المريرة، وبرودتها...؟ لا سيما بعد أن يكبر الأولاد ويبدأ كل منهم مسيرة حياته الخاصة بعيداً عن الأم..؟؟؟

بأيّ حق ينصب المجتمع نفسه قاضياً وحكماً على حياة إنسانة ذنبها الوحيد أنها فقدت التواصل مع شريكها(طلاق، وفاة) لا سيما وأن الموروث الديني لم يمنع المرأة من تكرار التجربة، لا بل بالعكس يعتبره أمراً واجباً، حتى لا تقع المرأة في المعصية... وباعتقادي أن النظر لهذا الجانب من الموضوع ليس بالقليل، وهو أمر إيجابي، لكن هناك فصل فاحش بين الموروث الديني، والاجتماعي القيمي يفرض على المرأة  خيارين لا ثالث لهما:

أولاً- إما أن تصغي الأم  لمشاعر أنوثتها ورغبتها في حياة أخرى وتتزوج، تاركة مسؤولية الأبناء إما على الأب وزوجته الجديدة في حالة الطلاق، أو على الأهل في حالة وفاة الزوج. وهذا الخيار مع أنه حق لها شرعاً وقانوناً، إلاّ أنه يسحق أمومتها الأولى- حيث يتنكر لها حتى الأبناء-  لتتفاعل مع أمومة جديدة لأبناء آخرين.

ثانياً- وإما أن تلوذ بمشاعرها صمتاً لا يمكنها البوح بها، وتختار أمومتها رسالة تفتخر وتعتز بها للوصول بأبنائها إلى شواطئ الحياة والمستقبل المزهر لهم، لتكون وبعد أن أدت رسالتها قد سحقت أنوثتها وحقها في الحياة، هذا الحق الذي لا تشعر به إلاّ بعد أن يرحل الأبناء لدروب حياتهم الجديدة بحكم تطور الطبيعة، فإذا ما أحسنوا التعامل معها قد تنسى ما خسرت من أنوثة ومشاعر، لكن إذا حملوا من العقوق في تعاملهم معها عبر أنانية تجعلها تأسى على عمر مضى وكأنه هباءً منثورا. ولكن بعد فوات الفرص والأوان.

وعلى الغالب يكون الخيار الثاني هو الأسمى لدى معظم النساء بحكم العاطفة والأمومة من جهة، وبحكم الموروث والتقاليد والحياء الأنثوي الذي يلعب دوراً غير قليل في هذا الخيار.

ماذا يمكننا أن نقول أو أن نفعل تجاه هذه الحالة، وتجاه ذاك المصير..؟

إنها حالة خاصة تعيشها المرأة، ولا أحد سواها يستطيع أن يقدر عواقب الأمور، أو أن يعبر عما في داخلها من أزمات وأنّات وآهات... في أيٍ من الخيار ين السابقين، ولا أعتقد أنه من حق أحدٍ التدخل في أمر حساس وشائك كهذا، فهي وحدها من يحق له أن يقرر وبحرية داخلية بحتة.

   القائمة الرئيسية  

 

   

       الصفحة الرئيسية     

 
 

 من نحن     

 

مقالات ودراسات     

 

تقارير وتحقيقات     

 

 شخصية العدد     

 

 مرصد     

 

أدب     

 
 

فن     

 

 قوانين ووثائق     

 

 معاهدات     

 

 الدساتير العربية     

 

 استشارات     

 

 أخبار من العالم     

 

 أخبار فلسطين     

 
 

 اللاعنف     

 
 

مؤتمر المرأة والتقاليد     

 

 دليل الجمعيات الأهلية     

 

تسجيل العضوية

 

للاشتراك وتلقي نشرتنا الأسبوعية يرجى التسجيل:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

   

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © Thara. 2008. جميع الحقوق محفوظة