English Site

البحث في الموقع

   

    الشريط الإخباري  


ستأتي فرحة العيد

ميشال شماس

لا زلت أذكر في صغري كيف كنت أفرح مع زملائي وأصدقائي بقدوم العيد قبل أن يأتي، وكنا نحلم به، وأذكر أيضاً أنه في ليلة العيد لم نكن ننام أبداً من شدة فرحتنا وسعادتنا بالعيد، فما أن يأت صباح العيد حتى ننهض بسرعة كي نلبس ثيابنا الجديدة ونأخذ العيدية، ثم نخرج من بيوتنا إلى الحارات والساحات، والفرح يغمرنا، حيث نتبادل التهاني ونلعب ونرقص ونشتري ما يحلو لنا، وكم كنا نتمنى أن يطول العيد الذي يمضي مسرعاً، على أمل أن يعود لنعيش فرحته من جديد.

أما في أيامنا هذه، فقد اختلفت الأمور كثيراً، فالعيد يأتي ويذهب وكأنه ليس بعيد، إذ لم يعد للعيد نكهة أيام زمان، وأصبح وقعه ثقيلاً،  نتمنى أن ينقضي بسرعة، فرب الأسرة يحمل هموماً تطغى على كل فرحة من الممكن أن تتسلل إلى قلبه وقلب أطفاله، بسبب الارتفاع الكبير لمستلزمات وحاجات الحياة والمعيشة ناهيك عن الفواتير المرهقة والمازوت والمدارس والكهرباء والماء والطعام..الخ  فكيف الحال إذا أراد أن يشتري ملابس جديدة وحلويات و..و.. للعيد، والتي تضاعفت أسعارها أمام الدخول والرواتب الضعيفة أصلاً.

 يأتي العيد دون أن نشعر بفرحته، وكيف لنا أن نشعر بفرحته ونحن نرى ما نراه من فقر وجوع و معاناة وفساد، فعيدنا هذه الأيام لم يعد يحمل السعادة التي كنا نعيشها في العيد أيام زمان، فهو يأتي اليوم مثقلاً بهموم وآلام الفقراء والمساكين والمحتاجين وحاجتهم إلى الفرحة، كما يأتي مبللاً بالدموع على وجنات الأطفال الذين لم يستطيعوا الحصول على ثوب جديد لاستقبال العيد.!؟

كيف سنفرح بالعيد، ونحن نرى أشقائنا في فلسطين والعراق يتعرضون للقتل والتشريد اليومي على أيدي قوات الاحتلال الأمريكي والصهيوني وعصابات القتل الطائفية ؟ وكيف سنفرح أيضاً ونحن نرى كيف أصبح الولاء للطائفة والعشيرة، والشخص بدل الولاء للوطن، وكيف ساد الفكر الغيبي الوهابي على امتداد البلدان العربية.؟

وكيف لنا أن نفرح ونساؤنا وبناتنا مازالت تذبح كما تذبح الشاة  في بلداننا العربية، وأطفالنا الذكور يتم فصلهم عن الإناث منذ الصغر كل ذلك بحجة الحفاظ على الشرف، هذا الشرف الذي أضعناه منذ أن أضعنا فلسطين وعربستان ولواء اسكندرون، ومنذ أن احتلت إسرائيل جولاننا الحبيب..الخ !؟

كيف سنفرح، ولبنان الذي نحبه نراه مهدداً بالضياع نتيجة إصرار بعض أبنائه على الولاء لهذا البلد العربي أوذاك البلد الأجنبي ..الخ؟ وكيف سنفرح ولبنان مازال يبحث الآن عمن يخلص في ولائه للبنان دون غيره من البلدان.!؟       

كيف سنفرح بالعيد، ونحن ما زلنا نتهم بعضنا البعض  بالتآمر والخيانة، لمجرد أن أحدنا أبدى رأياً مخالفاً  لرأي الآخر.!؟ وكيف سنفرح بالعيد وأصدقاء لنا وأقرباء، مازالوا معتقلين في السجون، وآخرون أيضاً يساقون إلى الاعتقال ليلة العيد، بينما نرى البعض مستمر في نهب أموال البلاد والعباد، وكيف أنهم شيدوا بتلك الأموال قصوراً وفيلات ومزارع وشركات على حساب لقمة الشعب وصمود الوطن..؟ وكيف جمعوا الأموال بلا رقيب أوحسيب وأخرجوها من بلادنا لتودع في البنوك الأجنبية، حيث يتم استثمارها في مشاريع تعود بالنفع ليس على الدول الأجنبية وحسب، بل تعود بالنفع أيضاً على عدوتنا إسرائيل التي  تستفيد من تلك الأموال مرتين، مرة عندما يتم إخراج تلك الأموال من بلادنا فيضعف اقتصادنا ويزداد فقرنا، ومرة عندما يذهب جزء من تلك الأموال كقروض ومساعدات إلى الاقتصاد الإسرائيلي ليبقى قوياً وليبقى الإسرائيلي مرفهاً،بينما نحن نقضي وقتنا بالبحث عن لقمة العيش وعن فرحة ضائعة.!؟

    وكيف لنا ن نفرح، بينما الفساد ينتشر من حولنا كالوباء، فأينما ذهبنا وحيثما توجهنا نراه، نلمسه نتحسسه في أي مكان، حتى بات يأكل وينام معنا، وانتشرت مظاهر التملق والنفاق والولاء للشخص بدلاً من أن يكون الولاء للوطن فقط للوطن، وتم تعطيل تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص، وأصبحت إمكانية التقييم والاختيار للوظائف العامة صعبة إن لم تكن مستحيلة بسبب هذا التملق والنفاق، مما ترك أثاراً خطيرةً على مسيرة التنمية في البلاد ، حيث استبيح المال العام تحت يافطة التملق والنفاق، خاصة من قبل أولئك الحيتان والقطط السمان الذين ماتوانوا لحظة عن زيادة نفوذهم وسطوتهم المالية عبر خرقهم المستمر للدستور والقوانين واعتبروا أنفسهم فوق سيادة القانون التي سادت فقط على ذوي الدخل المحدود والمستضعفين والمحرومين، مؤكدين بذلك مقولة العالم الألماني نيتشه:( إن القانون كشبكة خيوط العنكبوت تقع فيها الحشرات الصغيرة، أما الحشرات الكبيرة فتخرقها باستمرار).

  وكيف لنا نفرح بالعيد، بعد أن قطعنا بأيدينا مسيرة التطور الديمقراطي الفتية في بلادنا، منذ أن قبلنا بشروط نظام عبد الناصر لتحقيق الوحدة، فحلّينا أحزابنا السياسية، وحظرنا النشاط النقابي، وفرضنا الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية وصادرنا استقلال القضاء، وقيدنا حرية الرأي والتعبير، إلا في اتجاه واحد ولون وحيد. .!؟

  وبالرغم من كل ماتقدم فإن فرحة العيد ستأتي فقط عندما نستقوي بأنفسنا، ولن تتأخر الفرحة في المجيء إذا ما قرر حكامنا العودة إلى شعوبهم واستعادة ثقة الناس كل الناس التي فُقِدَتْ منذ عقود، والاستقواء بهم ،عندها فقط نجبر الغير من الطامعين في أوطاننا على مراجعة حساباتهم قبل الإقدام على اتخاذ أي خطوة يخطونها ضد بلداننا .

   ولن يتحقق ذلك إلا إذا تم إعادة صياغة العلاقة القائمة بين الدولة ومواطنيها عبر حوار وطني شامل على أساس عقد جديد يقوم على الالتزام الطوعي والاحترام المتبادل والمساواة بالمشاركة الفعالة لكافة فئات الشعب في تحمل مسؤولية بناء الوطن ،بعيداً عن أي ولاء قسري أوتهميش أوعزل أوإهمال، وبما يضمن إلغاء كافة المراسيم والقوانين التي تمنع عودة المنفيين الطوعيين منهم والقسريين وإعادة المظالم لأصحابها، ورفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية، وإطلاق سراح معتقلي الرأي والضمير. وإطلاق حرية العمل السياسي والنقابي والإعلامي، واحترام الحريات الأساسية العامة للمواطنين. واحترام سيادة القانون والمساواة أمامه، وتفعيل الدور الرقابي بعد رفده بعناصر كفوءة ونزيهة. كل ذلك بضمان قيام سلطة قضائية كفأه عادلة ومستقلة، على قاعدة فصل الدين عن الدولة، واعتماد مبدأ المواطنة الكفيل وحده بضمان الحقوق المتساوية لكافة المواطنين وتمتعهم على وجه الخصوص بحرية الفكر والعقيدة وسائر الحريات العامة والخاصة بصرف النظر عن الانتماء السياسي أو الديني أو اللون أو الجنس أو العرق.. وبما ينسجم والعهود والمواثيق الدولية ذات الصلة، وخاصة العهد الدولي في الحقوق المدنية والسياسية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. والسعي المستمر لتأصيل روح الحرية واحترام القانون لدى الحكام والمحكومين على السواء وجعل هذه الروح حية على الدوام في قلوب الناس.

 

 

تعليقك على الموضوع:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

التعليق:

   القائمة الرئيسية  

 

   

       الصفحة الرئيسية     

 
 

 من نحن     

 

مقالات ودراسات     

 

تقارير وتحقيقات     

 

 شخصية العدد     

 

 مرصد     

 

أدب     

 
 

فن     

 

 قوانين ووثائق     

 

 معاهدات     

 

 الدساتير العربية     

 

 استشارات     

 

 أخبار من العالم     

 

 أخبار فلسطين     

 
 

 اللاعنف     

 
 

مؤتمر المرأة والتقاليد     

 

 دليل الجمعيات الأهلية     

 

تسجيل العضوية

 

للاشتراك وتلقي نشرتنا الأسبوعية يرجى التسجيل:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © Thara. 2008. جميع الحقوق محفوظة